عبد الجبار بن أبي بكر بن محمد بن حمديس الأزدي الصقلي أبو محمد شاعر مبدع ولد وتعلم في جزيرة صقلية شارك في العديد من الغزوات والمعارك التي خاضها هناك كان ابن حمديس شاعرا مكثرا يجيد الوصف ويجري في نظمه على السليقة أما فنونه فالمديح والرثاء والغزل والنسيب وفيما يلي اجمل قصائد ابن حمديس
قصيدة نثر الجو على الأرض برد
نثر الجو على الأرض برد
أي در لنحور لو جمد
لؤلؤ أصدافه السحب التي
أنجز البارق منها ما وعد
منحته عاريا من نكد
واكتساب الدر بالغوص نكد
ولقد كادت تعاطى لقطه
رغبة فيه كريمات الخرد
وتحلي منه أجيادا إذا
عطلت راقتك في حلي الغيد
ذوبته من سماء أدمع
فوق أرض تتلقاه بخد
فجرت منه سيول حولنا
كثعابين عجال تطرد
وترى كل غدير متئق
سبحت فيه قوارير الزبد
من يعاليل كبيض وضعت
في اشتباك الماء من فوق زرد
أرق الأجفان رعد صوته
كهدير القرم في الشول حفد
بات يجتاب بأبكار الحيا
بلدا يرويه من بعد بلد
فهو كالحادي روايا إن ونت
في السرى صاح عليها وجلد
وكأن البرق فيها حاذف
بضرام كلما شب خمد
تارة يخفو ويخفى تارة
كحسام كلما سل غمد
يذعر الأبصار محمرا كما
قلب الحملاق في الليل الأسد
وعليل النبت ظمآن الثرى
عرج الرائد عنه فزهد
خلع الخصب عليه حللا
لبديع الرقم فيهن جدد
وسقاه الري من وكافة
فتح البرق بها الليل وسد
ذات قطر داخل جوف الثرى
كحياة الروح في موت الجسد
فتثنى الغصن سكرا بالندى
وتغنى ساجع الطير غرد
وكأن الصبح كف حللت
من ظلام الليل بالنور عقد
وكأن الشمس تجري ذهبا
طائرا في صيده من كل يد
قصيدة خطب يهز شواهق الأطواد
خطب يهز شواهق الأطواد
صدع الزمان به حصاة فؤادي
ومصيبة حر المصائب عندها
برد بحرقتها على الأكباد
وكأنما الأحشاء من حسراتها
يجذبن بين براثن الآساد
كبر الدواهي رحلت بحلولها
قرما لقد قرعت قريع أعادي
سكنت شقاشقه وكان هديره
يستك منه مسامع الحساد
وكأنما في الترب غيض غيضها
لحداه وردا عن ورود صواد
نحرت شؤوني بالبكاء عليه أم
عصرت مدامعها من الفرصاد
لم أنتفع بالنفس عند عزائها
فكأنها عين بغير سواد
هذا الزمان على خلائقه التي
طوت الخلائق من ثمود وعاد
لم يبق منهم من يشب لقره
بيديه سقطا من قداح زناد
يفنى ويفني دهرنا وصروفه
من طارق أو رائح أو غاد
فكأن عينك منه واقعة على
بطل مبيد في الحروب مباد
والناس كالأحلام عند نواظر
ترنو إليهم وهي دار سهاد
سهر كرى مقل تخاف من الردى
للخوف هجر الطير ماء ثماد
والعمر يحفز بين يوم سابق
لا يستقر وبين يوم حاد
دنيا إلى أخرى تنقل أهلها
هل تترك الأرواح في الأجساد
وكأنهن صوارم ما فعلها
إلا من الأجسام في أغماد
حتى إذا فجعت بها أشباحها
بقيت لفقد حياتها كجماد
والموت يدرك والفرار معقل
من فر عنه على سراة جواد
وينال ما صدع الهواء بخافق
موت ومن قطع الفلا بسهاد
ويسوم ضيما كل أعصم شاهق
ريب المنون وكل حية واد
وهزبر غاب يحتمي بمخالب
يرهفن من غير الحديد حداد
يسري إلى وجه الصباح وإنما
مصباحه من طرفه الوقاد
أو لا ولم يبل الحمام بشبله
وعناده بالدل غير عناد
وأخو الهداية راحل جعل التقى
زادا له فتقاه أفضل زاد
أنا يا ابن أختي لا أزال أخا أسى
حتى أوسد في الضريح وسادي
إني امرؤ مما طرقت مهيد
بفراق أهلي وانتزاح بلادي
أودى الغريب بعلة تعتاده
بالكرب وهي غريبة العواد
أمل وعدت به وأوعدني الردى
فبه يجذ الوعد بالإيعاد
حي وميت بالخطوب تباعدا
شتان بين بعاده وبعادي
نعي دهيت به فمت وإن أعش
خلف المنون فلم أعش بمرادي
ما ثلم السيف الذي جسد الثرى
أمسى له جفنا بغير نجاد
عضب يكون عتاد فارسه إذا
ما سله والعضب غير عتاد
قد كان في يمنى أبيه مصمما
يعتده يوم الوغى لجلاد
أعزز علي برونق يبكي دما
بتواتر الأزمان والآباد
وأقول بدر دب فيه محاقه
إن الكمال إليه غير معاد
إن غاب في جدث أنار بنوره
فبفقد ذاك النور أظلم نادي
واستعذبته المعضلات لأنها
مستهدفات مقاتل الأمجاد
لو أخرته منية لتقدمت
في الجود همته على الأجواد
ولكان في درس العلوم وحفظها
بين الأفاضل مبدأ الأعداد
إن المفاخر والمحامد سرها
لذوي البصائر في المخايل باد
زين الحضور ذوي الفضائل غائب
يا طول غيبة معرض متماد
هلا حمته عناصر المجد التي
طابت من الآباء والأجداد
ومكارم بذلت لصون نفوسهم
معدودة بالفضل في الأعداد
ونجابة وقف عليهم فضلها
منقولة منهم إلى الأولاد
من معرق الطرفين مركز فخره
بيت سماء علاه ذات عماد
المنفقون بأرضهم أعمارهم
ما بين غزو في العدى وجهاد
أذمار حرب في سماء قتامهم
شهب طوالع في القنا المياد
وبوارق تنسل من أجفانها
ورق لزرع الهام ذات حصاد
فزع الصريخ إليهم مستنجدا
فبهم ومنهم شوكة الأنجاد
أسد لبوسهم جلود أراقم
بهتت لرؤيتها عيون جراد
يا عابد الرحمن حسبك رحمة
وفى لها بالعهد صوب عهاد
بحلاوة اسمك للمنون مرارة
طرحت بعذب الورد للوراد
إني أنادي منك غير مجاوب
ميتا وعن شوق إليك أنادي
في جوف قبر مفرد من زائر
قبر الغريب يخص بالإفراد
ما بين موتى في صباح عرسوا
لإعادة بالبعث يوم معاد
بين الألوف عفية أرسامهم
ولرسمه قبر من الآحاد
أو لم يكن بقراط دون أبيك في
داء يعاد له المريض عداد
وأدق منه فكرة حسبية
حكمية الإصدار والإيراد
هلا شفى سقما فوقف برؤه
موتا تمشى منك في الأبراد
هيهات كان ممات نفسك مثبتا
بيد القضاء عليك في الميلاد
قصرتك كالممدود قصر ضرورة
وعدتك عن مد الحياة عواد
وشربت كأسا نحن في إيراقها
إذ أنت منها في طويل رقاد
وتركت عرسك وهي منك جنازة
ولباس عرسك وهو ثوب حداد
أهدى إليك مكانها حورية
مهد وذاك الفضل فضل الهادي
عندي عليك من البكاء بحسرة
ماء لنار الحزن ذو إيقاد
ونياح ذي كمد يذوب به إذا
رفع الرثاء عقيرة الإنشاد
وتخيل يحييك في فكري فذا
مسعاك في بري ومحض ودادي
قد كان عيدك والحياة على شفا
من قطع عمرك آخر الأعياد
أرثيك عن طبع تجدول بحره
بعد الغياب وكثرة الأولاد
أنا في الثمانين التي فتلت بها
قيدي الزمانة عند ذل قيادي
أمشي دبيبا كالكسير وأتقي
وثبا علي من الحمام العادي
ذبلت من الآداب روضتي التي
جليت نضارتها على الرواد
لو كنت بعدي لافتديت بأنفس
وبما حوت من طارف وتلاد
فاصبر أبا الحسن احتساب مسلم
لله أمر خواتم ومبادي
فلقد عهدتك والحوادث جمة
وشدادهن عليك غير شداد
أو ليس إبراهيم نجل محمد
بالدفن صار إلى بلى ونفاد
رد النبي عليه تربة لحده
بيد النبوة وهي ذات أيادي
فتأس في ابنك بابنه وخلاله
تسلك بأسوته سبيل رشاد
قصيدة هل أنت فادية فؤاد عميد
هل أنت فادية فؤاد عميد
من لوعة في الصدر ذات وقود
أم أنت في الفتكات لا تخشين في
قتل العباد عقوبة المعبود
إن كان لا تنبو سيوفك عن حشا
صب فليس حدادها بحديد
قل كيف تعطف بالوصال لعاشق
من لا تجود له بعطفة جيد
لو بت مغتبقا مدامة ريقها
لخشيت صارم جفنها العربيد
إن شئت أن تطوي على ظمأ فرد
ماء المحاسن فوق وجنة رود
غيداء يسقم بالملاحة دلها
جسم العميد كذاك دل الغيد
كتبت لها وصلا إشارة ناظري
فمحاه ناظر طرفها بصدود
ولقد يهيج لي البكاء صبابة
شاد مطوق آلة التغريد
باتت سواري الطل تضرب ريشه
بجواهر لم تدر سلك فريد
غنى على عود يميس به كما
غنى التقابل معبد في العود
والليل قوض رافعا من شبهه
بيض القباب على نجائب سود
والصبح يلقط من جمان نجومه
ما كان في الآفاق ذا تبديد
زهر خبت أنوارها فكأنها
سرج المشاكي عولجت بخمود
كأزاهر النوار تقطفها مها
من كل مخضر البقاع مجود
كأسنة طعنت بها فرسانها
ثم امتسكن عن القنا بكبود
كعيون عشاق أباح لها الكرى
من كان عذبهن بالتسهيد
والصبح يبرق كرة في كرة
مثل استلال الصارم المغمود
وتفرقت تلك الغياهب عن سنا
فلق يفلق هامها بعمود
إني خبرت الدهر خبر مجرب
وكلمت غاربه بحمل قتود
فالحظ فيه طوع كفي مظلم
بالجهل من نور العلوم بليد
والحمد في الأقوام غير مسلم
إلا لأحمد ذي العلى والجود
من لا يجود على العفاة بطارف
حتى يجود عليهم بتليد
خرق العوائد منه خرق سيبه
ثر الغمائم مورق الجلمود
يأوي إلى شرف تقادم بيته
أزمان عاد في العلى وثمود
متردد في ساميات مراتب
والبدر في الأبراج ذو تغريد
كالشمس يبعد في السماء محلها
وشعاعها في الأرض غير بعيد
يلقى وجوه المعتفين بغرة
بسامة ويد تسح بجود
ما زال يشرد عرضه عن ذمة
وعطاؤه بالمطل غير شريد
في ربعه روض مرود خصبه
أبدا مصاقب منهل مورود
وكأنما لليل فيه مدارج
عند التقاء وفوده بوفود
سبق الكرام وأقبلوا في إثره
كسنان مطرد الكعوب مديد
متصرف الكفين في شغل العلى
لم يخل من بذل ومن تشييد
والمجد لا تعلي يداك بناءه
إلا بمال بالندى مهدود
يا ابن السيادة والرياسة والعلى
وعظيم آباء عظيم جدود
خذها كمنتظم الجمان غرائبا
تروى قصيدتها بكل قصيد
نيطت عليك عقودها ولطالما
نظمت لأجياد الملوك عقودي
قصيدة أنكرت سقم مذاب الجسد
أنكرت سقم مذاب الجسد
وهو من جنس عيون الخرد
وبكت فالدمع في وجنتها
كجمان الطل في الورد الندي
ما الذي يبكي بحزن ظبية
فتكت مقلتها بالأسد
والظباء الحور إما قتلت
لحظات العين منها لا تدي
غادة إن نيط منها موعد
بغد فر إلى بعد غد
هكذا عندي يجري مطلها
بخلاف عندها مطرد
وهي من عجب ومن تيه لها
كبد ترحم منها كبدي
ذات عين بالهوى نابعة
ضل في الحب بها من يهتدي
وهي نجلاء حكاها سعة
جرحها في كل قلب مكمد
لا يذوق الميل فيها إثمدا
ما لأحداق المها والإثمد
قذفت حبة قلبي في الهوى
هل رأيت الجمر في المفتأد
سحرها وحي بنجوى ناظر
ذو نفاث للنهى في عقد
ما لآس في محب عمل
غير داء الروح داء الجسد
خفي البرء على ألطافه
وهو في بعض ثنايا العود
إن في ظلم ظلوم لجنى
شهد واها لذاك الشهد
ذاب لي بالراح منها برد
هل يكون الراح ذوب البرد
هاتها صفراء ما اخترت لها
أفق الشمس على أفق يدي
خارج في راحتي مقتنص
كل هم كامن في خلدي
جرد المزج عليها صارما
فاتقته بدموع الزبد
عتقت ما عتقت في خزف
برداء القار فيه ترتدي
حيث أبلى جسمها لا روحها
مر أيام الزمان الجدد
ما أطاق الدهر أن يسلبها
أرج المسك ولون العسجد
فاقض أوطار اللذاذات على
نقر أوتار الغزال الغرد
فلحون العود والكاس لنا
والندى والبأس للمعتمد
ملك إن بدأ الحمد به
ختم الفخر به ما يبتدي
معرق في الملك موصولا به
شرف المجد ومحض السؤدد
من غدا في كل فضل أوحدا
ذلك الأوحد كل العدد
من حمى الإسلام من طاغية
كان منه في المقيم المقعد
وكست أسيافه عارية
ذل أهل السبت أهل الأحد
ذو يد حمراء من قتلهم
وهي عند الله بيضاء اليد
تقتدي الأملاك في العدل به
وهو فيه بأبيه يقتدي
كيف لا يملي على الناس العلى
مستمد من علا المعتضد
عارض ينهل بالوبل إذا
كان للعارض كف الجلمد
وهصور يفرس القرن إذا
جرد المرهف فوق الأجرد
قومت عزمته عن نية
من منار الدين ميل العمد
لا تلمه في عطاياه التي
إن ترم منهن نقصا تزدد
فنداه البحر والبحر متى
تعصف الريح عليه يزبد
ومحال نقلك الطبع الذي
كان منه في كريم المولد
كم لهام جر في أوله
رمحه فهو له كالمقود
وليوث صال فيهم فانثنوا
وضواريهم له كالنقد
بحسام مطفئ أرواحهم
بشواظ البارق المتقد
لغراريه على هاماتهم
من شرار القدح ما في الزند
كم تغنى بالمنايا في الطلا
ظبتاه عن أغاني معبد
وسنان مشرع في صعدة
كلسان في فم الأيم الصدي
في سماء النقع منه كوكب
طالع في يزني أملد
أبدا يدعو إلى مأدبة
حوم الوحش عليها تغتدي
يا بني البأس من الذمر الذي
جاء في كاهل عزم أيد
شيب الحرب اقتحاما بعدما
ربيت في حجره كالولد
يرعف اللهذم في راحته
كلما شم قلوب الأسد
سمهري أحرقت شعلته
كل روح في غدير الزرد
أنت ذاك الأسد الورد فهل
كان في رمحك سم الأسود
أعناق البهم استحسنته
وهو برد أم عتاق الجرد
دمت في الملك لمعنى مادح
ينظم الفخر وجدوى مجتد
وبنات من فصيح مفلق
يشهد الفضل له في المشهد
فهو بالإحسان في ألفاظها
محسن صيد المعاني الشرد
في بيوت أذنت فيها العلى
لك بالتقريظ في كل ند
قد تناهى في عروض فهي لا
يعرض الهدم لها في المسند
فإذا أثنت عليكم فتقت
لكم مسك الثناء الأبدي
وإذا استحيت من المجد أتى
معربا عنها لسان المنشد
قصيدة تفشي يداك سرائر الأغماد
تفشي يداك سرائر الأغماد
لقطاف هام واختلاء هواد
إلا على غزو يبيد به العدى
لله من غزو له وجهاد
وعزائم ترميهم بضراغم
تستأصل الآلاف بالآحاد
من كل ذمر في الكريهة مقدم
صال لحر سعيرها الوقاد
كسناد مسمرة وقسور غيضة
وعقاب مرقبة وحية واد
وكأنهم في السابغات صوارم
والسابغات لهم من الأغماد
أسد عليهم من جلود أراقم
قمص أزرتها عيون جراد
ما صون دين محمد من ضيمه
إلا بسيفك يوم كل جلاد
وطلوع رايات وقود جحافل
وقراع أبطال وكر جياد
ولديك هذا كله عن رائح
من نصر ربك في الحروب وغاد
إن اهتمامك بالهدى عن همة
علوية الإصدار والإيراد
وإقامة الأسطول تؤذن بغتة
بقيامة الأعداء والحساد
والحرب في حربية نيرانها
تطأ المياه بشدة الإيعاد
ترمي بنفط كيف يبقي لفحه
والشم منه محرق الأكباد
وكأنما فيها دخان صواعق
ملئت من الإبراق والإرعاد
لا تسكن الحركات عندك إنها
لخواتم الأعمال خير مبادي
وأشد من قهر الأعادي محرب
في سلمه للحرب ذو استعداد
سيثير منك العزم بأسا مهلكا
والنار تنبع عن قداح زناد
وغرار سيفك ساهر لم تكتحل
عين الردى في جفنه برقاد
وزمانك العاصي لغيرك طائع
لك طاعة المنقاد للمقتاد
ونرى يمينك والمنى في لثمها
في كل أفق بالجنود تنادي
من كان عن سنن الشجاعة والندى
بئس المضل فأنت نعم الهادي
هل تذكر الأعياج سبي بناتها
بظبى جعلن قلائد الأجياد
من كل بيضاء الترائب غادة
تمشي كغصن البانة المياد
مجذوبة بذوائب كأساود
عبثت بهن براثن الآساد
من كل ذي زبد علته سفنه
يخرجن من جسد بغير فؤاد
ثعبان بحر عضه بنواجذ
خلعت عليه من الحديد حداد
يبدي غراب منه سقط حمامة
ببياضه في البحر جري سواد
وكأنما الريح التي تجري به
روح يحرك منه جسم جماد
يا أيها الممضي قواه وحزمه
ومحالف التأويب والإسآد
هذا ابن يحيى ذو السماح جنابه
مستهدف بعزائم القصاد
فرغ من السير الرذية عنده
تملأ يديك بطارف وتلاد
ملك مفاخره تعد مفاخرا
لمآثر الآباء والأجداد
ومراتع الرواد بين ربوعه
محفوفة بمناهل الوراد
ثبتت قواعد ملكه فكأنما
أرساه رب العرش بالأطواد
وطريده من حيث راح أو اغتدى
في قبضة منه بغير طراد
والأرض في يمناه حلقة خاتم
والبحر في جدواه رشح ثماد
لا تسألن عما يصيب برأيه
وطعانه بمقوم مياد
يضع الهناء مواضع النقب الذي
يضع السنان مواضع الأحقاد
كالبدر يوم الطعن يطفئ رمحه
روح الكمي بكوكب وقاد
تبني سلاهبه سماء عجاجة
من ذبل الأرماح ذات عماد
ويرد سمر الطعن عن أرض العدى
وكأنها في صبغة الفرصاد
وسقوط هامات بضرب مناصل
وصعود أرواح بطعن صعاد
أما شداد المجرمين فعزه
أبقاهم بالذل غير شداد
والنار تأخذ في تضرمها الغضا
جزلا وتتركه مهيل رماد
يا من إليه بانتجاع مؤمل
مستمطر منه سماء أيادي
ألقيت من نيل المنى عن عاتق
فكأنني سيف بغير نجاد
ما لي بأرضك يوم جودك معرب
بلسانه عن خدمتي وودادي
إلا قصائد بالمحامد صغتها
غرا تهز محافل الإنشاد
خلعت معانيها على ألفاظها
ألحان أشعار ونقر شواد
رجحت بقسطاس البديع وإنها
لخفيفة الأرواح والأجساد
تبقى كنقش الصخر وهي شوارد
مثل المقيم بها وحدو الحادي
قصيدة أمسك الصبا أهدت إلي صبا نجد
أمسك الصبا أهدت إلي صبا نجد
وقد ملئت أنفاسه لي بالوجد
رماني بحر الشوق برد نسيمها
أحدثت عن حر مذيب من البرد
وما طاب عرف من سراها وإنما
تطيب في جنح الدجى بسرى هند
حدا بالأسى شوقي رواحل أدمعي
فكم خدد الخد الذي فوقه تخدي
ولي ذمة مرعية عند عبرة
تواصل ودي في فراق ذوي الود
أحب حبيبا نجل أوس لقوله
فيا دمع أنجدني على ساكني نجد
نوى أسلمت منا خليا إلى شجى
ووصلا إلى هجر وقربا إلى بعد
وأسد على مثل السعالي عوابس
لها لبد من صنعة الحلق السرد
كفاة وغيد أهدت الريح منهما
لنا سهك الماذي في أرج الند
سروا بالمها وهنا ومن ورق الظبا
كناس عليها حف بالقصب الملد
تدير عيونا شيب بالحسن حسنها
فلله منها ما تسر وما تبدي
وتحسب منها في البراقع نرجسا
تخط الأسى بالطل في صفحة الخد
وكم غادة لا يعرف الرئم مثلها
رمتني بسهمي مقلتيها على عمد
فريدة حسن تخجل البدر بالسنا
ودعص النقا بالردف والغصن بالقد
إذا عقدت عقد الخيول وشاحها
على خصرها المجدول أوهت من العقد
مهاة تكاد العين من لين جسمها
ترى الورق المخضر في الحجر الصلد
يضل سرى المشط المسرح فرعها
إذا ما سرى في ليل فاحمه الجعد
وتندى بمفتوت من المسك صائك
قدير إلى عصر الشباب على رد
فلا تك منها ظالما لصفاتها
على الثغر بالإغريض والريق بالشهد
إذا بات قلبي بالصبابة عندها
ففي أي قلب بات وجدي بما عندي
وليل هوت فيه نجوم كأنها
يعاليل بحر مضمر الجزر في المد
كأن الثريا فيه باقة نرجس
من الشرق يهديها إلى مغرب مهد
أردت به صيد الخيال ففاتني
كما فر عن وصل المتيم ذو صد
فكيف يصيد الطيف في الحلم ساهر
أقل كرى من حسوة الطائر الفرد
أخو عزمات بات يعتسف الفلا
بعيرانة تردي وخيفانة تخدي
قفار نجت منها الصبا إذ تعلقت
حشاشتها مني بحاشية البرد
وقد شق خيط الفجر في جنح ليلنا
كما شق حد السيف في جانب الغمد
وأهدت لنا الأنوار في أرض حمة
من ابن علي غرة القمر السعد
هنالك ألقى المجتدون عصيهم
بحيث استراحوا من مطاوعة الكد
لدى ملك يربي على الغيث جوده
ويغرق منه البحر في طرف الثمد
مندى الأماني في مراتع ربعه
ومستمطر الجدوى ومنتجع الوفد
ينير سرير الملك منه بأروع
سنا نوره يجلو قذى الأعين الرمد
غني بلا فقر لذكرى قديمة
بمفخره عن مفخر الأب والجد
إذا السبعة الشهب العلية مثلت
بمنظوم عقد كان واسطة العقد
جواد بما قد شئت من بذل نائل
ومن كرم محض ومن حسب عد
يجود ارتجالا بالمنى لا روية
فلا حكم تسويف عليه ولا وعد
تعود ظهر الحجر في الحجر مركبا
ومهدت العليا له الملك في المهد
وقالت لقد السيف نبعة قده
ستعلم ما يلقاه حدك من حدي
ترى الملك يستخذي لشدة بأسه
خضوع ابن آوى للغضنفرة الورد
تقوم على ساق به الحرب في العدى
ومجلسه في صهوة الفرس النهد
ويمتح نفس القرن عامل رمحه
كما يمتح الماء الرشاء من الجد
إذا شرع الخطي أغرى سنانه
من الذمر معتادا بجارحة الحقد
سليل الملوك الغر يؤنسه الندى
إذا ما علاه أوحشته من الند
وما حمير إلا الغطارفة الألى
أياديهم تسدى وأيديكم تسدي
يصولون صول الذائدين عن الهدى
ويعفون عفو القائدين ذوي الرشد
وتسلب تيجان الملوك أكفهم
إذا طوقوا أيمانهم قضب الهند
وحرب كأن البأس ينقد جمعها
ليعلم فيهم من يزيف بالنقد
ويقدح قرع البيض في البيض نارها
كما ينتضي القدح الشرار من الزند
ضحوك عبوس في مراح منقل
عن الهزل في قطف الرؤوس إلى الجد
حشوها على الأعداء بالبيض والقنا
وبالزرد الموضون والضمر الجرد
أقول لك القول الكريم الذي به
جرى قلم العلياء في صحف الحمد
وإن كنت عن علياك فيه مقصرا
فعذر مقل جاء بين يدي جهدي
لك الفخر في جهر المقال كأنما
يردد في الأسماع صلصلة الرعد
تولى علي عهد يحيى وبعده
توليت عهد الملك قدس من عهد
وتوج يحيى قبل ذاك بتاجه
تميم ومسعاه على سنن القصد
وقال معز الدين ذو الفخر لابنه
تميم سرير الملك أنت له بعدي
ولو عد ذو علم جدودك لانتهى
إلى أول الدنيا به آخر العد
وأنت على أعمارهم سوف تعتلي
لعمر مقيم في السعادة ممتد
بكفك سل الدين للضرب سيفه
وأضحى على أعدائه بك يستعدي
سددت بأقيال الأسود ثغوره
وحق بها فتح الثغور من السد
وجيش عريض بالشياح طريقه
يموج كسيل فاض منخرق السد
كأن المنايا في الكريهة ألفيت
على خلقها من خلقه صور الجند
وحربية في طالع السعد أنشيت
فنيرانها للحرب دائمة الوقد
جبال طفت فوق المياه وغيضت
بسمر القنا والمرهفات على الأسد
ودهم بفرسان الكفاح سوابح
تجافيفها في الروع منسدل اللبد
فمن كل ذي قوسين يرسل عنهما
سهام المنايا فهي مصمية تردي
وترمي بنفط ناره في دخانه
به الموت محمر يؤوب بمسود
وتحسب فيه زفرة من جهنم
تصعد عن فتل اللوالب بالشد
عرائس أغوال تهادى وإنها
لتهدي إذا صالت من الموت ما تهدي
قلوب عداة الله منها خوافق
كما قلبت فيها الصبا عذب البند
أبوك أصاب الرشد فيها برأيه
وهد بها ركن العدى أيما هد
وأصبحت منه في سجايا معظم
وحد معاليك التعالي عن الحد
ولو كان يستجدى الغمام بزعمهم
من البحر أضحى منك في المجد يستجدي
فلا زالت الأعياد تلفيك سيدا
يهنى الندى في صونه رمث المجد
قصيدة صادتك مهاة لم تصد
صادتك مهاة لم تصد
فلواحظها شرك الأسد
من توحي السحر بناظرة
لا تنفث منه في العقد
لمياء تضاحك عن درر
وبروق حيا وحصى برد
يندى بالمسك لراشفه
وسلاف القهوة والشهد
وذماء الليل على طرف
كترحل روح عن جسد
ورضاب الماء بفيك جرى
في جوهره عرض الصرد
وكأن كليم الله بدا
منه في الأفق بياض يد
أسفي لفراق زمان صبا
وركوبي قيد مها الخرد
من كل مطابقة خلقي
بوفاء سروري أو كمدي
هيفاء يعجزها كفل
فتقوم وتقعد بالرفد
لون الياقوت وقسوته
في الوجنة منها والكبد
ولها في جيد مروعة
حلي صاغته من الغيد
نقضت وصلي بتتيعها
بالهجر ونومي بالسهد
وأصاب السود سهام البي
ض ببين البيض وبالنكد
عجبي لإصابة مرسلها
من جوف ضلوعي في الخلد
يا نار نشاطي أين سنا
ك وأين لظاك بمفتأدي
زندي ولدتك وقد عقمت
عن حمل السقط فلم تلد
أحييت بذكري ميت صبا
أبكيه مسايرة الأبد
وطلبت الضد لأوجده
وجموحي في الصد فلم أجد
ولو ان كريما تفقده
يفدى بالنفس إذن لفدي
أذهبت الحزن بمذهبة
وبها ذهبت لجين يدي
ولقد نادمت ندامى الرا
ح بمطرفي وبمتلدي
بمعتقة قدمت فأتت
للشرب بلذات جدد
سبيت بسيوف من ذهب
من أهل السبت أو الأحد
وإذا ما عد لها عمر
ملأت كفيك من العدد
يطفو في الكاس لها حبب
كصغار مسامير السرد
وإذا ما غاص الماء بها
في النار تردت بالزبد
ونفيت الهم ببنت الكر
م ونقر العود فلم يعد
ولبثت مشنفة أذني
بترنم ذي النغم الغرد
فالآن صددت كذي حذر
عن ورد اللهو فلم أرد
وطردت منام الغي عن ال
أجفان بإيقاظ الرشد
ونقضت عهود الشرب فلا
ود أصفيه لأهل دد
لا أشرب ما أنا واصفه
فكأني بينهم قعدي
ونقلت بعزمي من بلد
قدم الإسراء إلى بلد
في بطن الفلك مصارعة
زمني وعلى ظهر الأجد
ووجدت الدين له حسنا
سندا فلجئت إلى السند
صمد اللاجون إلى ملك
منصور بالأحد الصمد
كالشمس سناها مقترب
وذراها منك على بعد
وإذا ما آنس منه سنا
من ضل بجنح الليل هدي
خصت بنوال شيمته
عجل وكلام متئد
لا وعد له بالجود ومن
يبدأ بعطاء لا يعد
وبنية شهم منتصر
لله جميل المعتقد
فيصون العرض بما بذلت
للوفد يداه من الصفد
ويسد الثغر وسيرته
تجري في الملك على سدد
ويسل ظباه بكل وغى
ويسيل نداه بكل يد
وتريك اليوم بصيرته
ما يخفي عنك ضمير غد
وله همم تبني رتبا
خصت بعلاء منفرد
إلهام الدين وحاميه
قوم بسطاك ذوي الأود
فت السباق بما كحلوا
بغبارك عينا في الأمد
والريح وراءك عاثرة
في الأين تكب وفي النجد
نصر أيدت به ظفرا
والساعد ينجد بالعضد
يا غيث المحل بلا كذب
وشجاع الحرب بلا فند
لحظات أناتك جانبها
أرسى في غيظك من أحد
ولواؤك تقدم هيبته
بعديد يلبك في العدد
وكأن عدوك خافقه
بجناح فؤاد مرتعد
إن كنت قصرت محبرة
تسهيم المحكم ذي الجدد
فالعذب يجل بقلته
وعليه عماد المعتمد
وأجاج الماء بكثرته
لا ري به لغليل صد
والشعر أجدت بمعرفتي
تأنيس غرائبه الشرد
لو شئت لقلت لقافية
في الوزن تخب إليك خدي
بصقيل اللفظ منقحه
لا سمع يمر به بصد
لا زيف به فيريك قذى
في عين بصيرة منتقد
لا يسمع فيه مستمع
زفرات أسى كالمفتقد
فصفير البلبل مطرح
في الأيك له صوت الصرد
تستحسن عودة منشده
وتقول إذا ما زاد زد
فبغام الرئم حلاوته
وجزالته زأر الأسد
وبذلة أهل السبت قضى
ويذل له أهل الأحد
فانصر وافخر وأدر وأشر
وأبر وأجر وأغر وسد
قصيدة إذا البدر يطوى في ربوع البلى لحدا
إذا البدر يطوى في ربوع البلى لحدا
أم الطود حطوا في ثرى القبر إذ هدا
كسوف وهد تحسب الدهر منهما
لعين وأذن ظلمة ملئت رعدا
تولى عن الدنيا علي بن أحمد
وأبقى لها من ذكره الفخر والحمدا
حملنا على التكذيب تصديق نعيه
وسدت له الأسماع وانصرفت صدا
وقال لمن أدى المصاب معنف
فظيع من الأنباء جئت به إدا
إلى أن نعاه الدهر ملء لسانه
ومن ذا الذي يخفي من الرزء ما أبدى
هنالك خضنا في العويل ولم نجد
على الكره من تصديق ما قاله بدا
وقال الورى والأرض مائدة بهم
أمن سيرها في الحشر قد ذكرت وعدا
أرى الشرف الفهري يبكي ابن بيته
عليا أما يبكي فتى راضع المجدا
فيا معشرا حثوا به نحو قبره
مطية حتف فوق أيديهم تحدى
حملتم على الأعواد من قد حملتم
فكل جلال قد وجدتم له فقدا
لقد دفعت أيديكم منه للبلى
يدا بجديد العرف كانت لكم تندى
تجمعت الأحزان في عقر داره
وفرقت الأزمان عن بابه الوفدا
وسد عن العافين مهيعهم إلى
مكارم كانت من أنامله تسدى
فقل لبني الآمال أخفق سعيكم
فقد حسر البحر الذي لكم مدا
وكم من ظباء بعدما غار عزه
حوائم في الآفاق تلتقط الوردا
لتبك عليا همة كرمية
ثنى قاصدو الركبان عن ربعها القصدا
وملتحف بالأثر أصبح عاريا
من الفخر يوم الضرب إذ لبس الغمدا
وأسمر خطي أمام كعوبه
سنان ذليق ينفذ الحلق السردا
وحصداء فولاذية النسج لم تزل
من اللهذم الوقاد مطفئة وقدا
وأجرد يبكي الجرد يوم صهيله
غدا مرجلا عنه فلم يسد الجردا
وداع دعا للمعضلات ابن أحمد
فلين في كفيه منهن ما اشتدا
وناهيك في الإعظام من ماجد به
على الزمن العادي على الناس يستعدى
حياة تعم الأولياء هنيئة
وموت زؤام في مقارعة الأعدا
وقسورة الحرب الذي يرجع القنا
رواعف تكسو الأرض من علق وردا
وفي بنصح الملك ما ذم رأيه
ولا حل ذو كيد لإبرامه عقدا
وما يستطير الحلم في حلمه ولا
يجاوز هزل في سجيته الجدا
إذا علم بالنار أعلم رأسه
رأيت عليا منه في ليلة أهدى
ألا فجعت أبناء فهر بأروع
إذا انتسبوا عدوا له الحسب العدا
فلا قابل هجرا ولا مضمر أذى
ولا مخلف وعدا ولا مانع رفدا
إذا ما عدا مع قرح السبق فاتها
وجاء بفضل الشد ينتهب المعدى
وما قصر الله المدى إذ جرى به
ولا مد فيه للسوابق فامتدا
ولكن حدود العتق تجري بسابق
فلا طلق إلا أعد له حدا
نماه من الأشراف أهل مفاخر
يديرون في الأفواه ألسنة لدا
إذا وقف الأبطال عن غمرة الردى
مشى بأسهم نحو الحتوف بهم أسدا
وتحسبهم قد سربلوا من عيابهم
سيوفا وسلوا من سيوفهم الهندا
فما عد أهل الرأي والبأس والندى
وإن كثروا إلا ووفى بهم عدا
إذا جمعت هذي السجايا لأوحد
فما الحق إلا أن يراه الورى فردا
فما ظنكم في وصفنا بمملك
يكون علي ذو المعالي له عبدا
عزيز علينا أن بكته كرائم
تذيب قلوبا في مدامعها وجدا
ينحن مع الأشجار نوح حمائم
تهز بها الأحزان أغصانها الملدا
وكم في مديمات الأسى من خبيئة
مع الصون أبقى الدمع في خدها خدا
فلو رد من كف المنية هالك
بنوح بنات كان أول من ردا
مضى بمضاء السيف جرب حده
فألفي في أفعاله جاوز الحدا
وما مات مبقي أحمد ومحمد
فإنهما سدا المكان الذي سدا
بنى لهما مجدين يحيى بعزة
وإن كان مجد واحد لهما هدا
بدا منهما حزم يسير تمامه
وقد يثقب النار الذي يقدح الزندا
ومن لحظته عين يحيى برفعة
فقد ركب الأيام واستخدم السعدا
فيا ساكن القبر الذي ضم تربه
شهيدا كأن الموت كان له شهدا
لئن فاح طيب من ثراه لناشق
ففخرك فيه فتق المسك والندا
وقيت جلال الخطب ما جل خطبه
وقمت كريم النفس من دونه سدا
ورحت ببعض الروح فيك مودعا
بمؤنسة العواد زرت بها اللحدا
رثيتك حزنا بالقوافي التي بها
مدحتك ودا فاعتقدت لي الودا
وما المدح إلا كالثوي لسامع
ولكن بذكر الموت عاد له ضدا
ودنياك كالحرباء ذات تلون
ومبيضها في العين أصبح مسودا
أردنا لك الدنيا القليل بقاؤها
وربك في الأخرى أراد لك الخلدا
فلا برحت من رحمة الله دائبا
تزور ندى كفيك في قبرك الأندا
قصيدة جلا محياك عن أبصارنا الرمدا
جلا محياك عن أبصارنا الرمدا
وقرب الله من مرآك ما بعدا
وجاء يحمل منك الطرف أربعة
البدر والطود والدأماء والأسدا
تكاد تبذل عين المرء أسودها
في نظرة منك تنفي الهم والكمدا
كل مسر بوجه في أسرته
نور إذا ما رماه أكبر سجدا
ظباك بالرد عن دين الهدى انفردت
وأنت ما زلت بالإنعام منفردا
ليث تخال سيوفا في براثنه
وتحسب الزغف منه الشعر واللبدا
كأن أجفانه في الحرب قد وردت
مع الدماء من الهندي ما وردا
لشدة البأس في يمناه ضربته
إن أسكر السيف منها بالنجيع شدا
وللرديني يوم الطعن عالية
تلوك بين حشا الضرغامة الكبدا
فالدين معتمد منه على ملك
يمسي ويضحي على الرحمن معتمدا
كأن شهب رجوم في أسنته
يردي بها من طغاة الكفر من وردا
وكلما عقد الرايات معتزما
حلت أياديه من آرائه عقدا
شهم صبور إذا ما القرم زاحمه
مزاحما في كفاح ظنه أحدا
وقرح بكماة الروع مقدمة
كأنهن سعال تحمل الأسدا
إذا تبين سماء عن عجاجتها
كانت لهم سمهريات القنا عمدا
من كل ذمر من الفولاذ غاص به
يجمد القر منه فوقه زبدا
يسطو بعضب إذا ما هز مضربه
يوم الضراب لعيني ساهد رقدا
لا يشرب الروح من جثمان ذي زرد
حتى يرى الحد منه يأكل الزردا
أسلت سيل نجيع من عداك بهم
في الأرض منهم فغادرت الثرى عمدا
يا من عليه مدار المكرمات ومن
بعدله كل مضطر له سندا
طارت إليك بنو الآمال وانتشقت
من ذكرك الند واستشفين منك يدا
فما انحرفت براج عن بلوغ منى
ولا تركت لصاد بالعطاء صدا
لا نأي لي بتنائي السير عن بلدي
فقد رضيت بحمص بعده بلدا
بدلت من معشر الأدنين معشرها
لا فرق الله فيما بيننا أبدا
وكم حوى الترب دوني من ذوي رحمي
وما مقلت لبعدي منهم أحدا
ولم يسرني من مثواك موت أبي
وقد يقلقل موت الوالد الولدا
وما سددت سبيلي عن لقائهم
لكن جعلت صفادي عنهم الصفدا
وحسن بر إذا فاضت حلاوته
على فؤادي من حر الأسى بردا
قصيدة بكى فقدك العز المؤيد والمجد
بكى فقدك العز المؤيد والمجد
وناحت عليك الحرف والضمر الجرد
وقد ندبتك البيض والسمر في الوغى
وعددك التأييد والحسب العد
وما فقدت إلا عظيما وفقده
به بين أحشاء العلى يوجد الوجد
وكنت أمين الملك حقا وسيفه
ومن حسنات البر كان لك الغمد
وأنت ابن حمدون الذي كان حمده
يعبر عن ناديه في عرفه الند
همام إليه كان تقريب غربتي
ببزل خفيف بين أخفافها الوخد
بأرض فلاة تنكر الأسد وحشها
ويرتد في اللحظ العيون بها الرمد
وناجية تنجو بهم همومهم
تولى بها عن جسمها اللحم والجلد
قتلت الأماني من علي ولم أزل
مفدى لديه حيث يعذب لي الورد
بكيت عليه والدموع سواكب
تخدد من طول البكاء بها الخد
وذاك قليل قدره في معظم
له حسب ما إن يعد له عد
فلو صح في الدنيا الخلود لماجد
لأبقي فيها ثم صح له الخلد
ومختلف الطعمين من طبع عادل
فطعم له سم وطعم له شهد
وقد كان في عليائه مترفعا
يلين به الدهر الذي كان يشتد
وكان أبيا ذا أياد غمامها
ندى ماجد في قبره قبر المجد
وحل الردى من كفه عقد راية
ومن كف ميمون لها جدد العقد
وما هو إلا حازم ذو كفاية
يناقض هزل الروع من بأسه الجد
تقدم من صنهاجة كل مقدم
فريسته من قرنه أسد ورد
بأيديهم نور البنفسج في ظبى
ينور من نار لها حطب الهند
وقد لبسوا من نسج داود أعينا
مداخلة خوصا هي الحلق السرد
يسدون خلات الحروب إذا طمت
بشوك الردى حتى كأنهم السد
ويقتادهم منه شهامة قائد
به جملة الجيش العرمرم تعتد
جواد عميم الجود بيت عطائه
لقاصده بالنيل طيبه القصد
له همة في أفقها فرقدية
كواكبها زهر أحاط به السعد
وأثبت للعلياء منهم قواعدا
لأعدائه منها قواعد تنهد
أرى يمن ميمون تعاظم في العلا
بنيل معال لا يحد لها حد
وهمة يحيى شرفته بخلة
بها يسعف المولى ويبتهج العبد
كأن نضارا ذائبا عم جسمها
وإن رام حسنا في العيون له حمد
وما مطرف إلا أبي بحرمة
عباب خضم حل عن حسره المد
إذا أعمل الآراء عن له الهدى
سداد هو الفتح الذي ما له سد
يروح ويغدو في المنى وحسوده
بعيد رشاد لا يروح ولا يغدو
ومن حيث ما ساورته خفت بأسه
وللنار من حيث انثنيت لها وقد
وإن جاد كان الجود منه مهنأ
كغيث همى ما فيه برق ولا رعد
ولله في الإجلال ذكر محمد
بكل لسان في الثناء له حمد
هم السادة الأمجاد والقادة الألى
تعد المعالي منهم كلما عدوا
ويأمرهم بالصبر والحزم خاذل
لهم صبر ووجدانه فقد
وأي اصطبار فيه للنفس رحمة
عن القائد الأعلى الذي ضمه اللحد
قصيدة قضت في الصبا النفس أوطارها
قضت في الصبا النفس أوطارها
وأبلغها الشيب إنذارها
نعم وأجيلت قداح الهوى
عليها فقسمن أعشارها
وما غرس الدهر في تربة
غراسا ولم يجن أثمارها
فأفنيت في الحرب آلاتها
وأعددت للسلم أوزارها
كميتا لها مرح بالفتى
إذا حث باللهو أدوارها
تناولها الكوب من دنها
فتحسبه كان مضمارها
وساقية زررت كفها
على عنق الظبي أزرارها
تدير بياقوتة درة
فتغمس في مائها نارها
وفتيان صدق كزهر النجوم
كرام النحائز أحرارها
يديرون راحا تفيض الكؤوس
على ظلم الليل أنوارها
كأن لها من نسيج الحباب
شباكا تعقل أطيارها
وراهبة أغلقت ديرها
فكنا مع الليل زوارها
هدانا إليها شذا قهوة
تذيع لأنفك أسرارها
فما فاز بالمسك إلا فتى
تيمم دارين أو دارها
كأن نوافجه عندها
دنان مضمنة قارها
طرحت بميزانها درهمي
فأجرت من الدن دينارها
خطبنا بنات لها أربعا
ليفترع اللهو أبكارها
من اللائي أعصار زهر النجوم
تكاد تطاول أعمارها
تريك عرائسها أيديا
طوالا تصافح أخصارها
تفرس في شمه طيبها
مجيد الفراسة فاختارها
فتى دارس الخمر حتى درى
عصير الخمور وأعصارها
يعد لما شئت من قهوة
سنيها ويعرف خمارها
وعدنا إلى هالة أطلعت
على قضب البان أقمارها
يرى ملك اللهو فيها الهموم
تثور فيقتل ثوارها
وقد سكنت حركات الأسى
قيان تحرك أوتارها
فهذي تعانق لي عودها
وتلك تقبل مزمارها
وراقصة لقطت رجلها
حساب يد نقرت طارها
وقضب من الشمع مصفرة
تريك من النار نوارها
كأن لها عمدا صففت
وقد وزن العدل أقطارها
تقل الدياجي على هامها
وتهتك بالنور أستارها
كأنا نسلط آجالها
عليها فتمحق أعمارها
ذكرت صقلية والأسى
يهيج للنفس تذكارها
ومنزلة للتصابي خلت
وكان بنو الظرف عمارها
فإن كنت أخرجت من جنة
فإني أحدث أخبارها
ولولا ملوحة ماء البكا
حسبت دموعي أنهارها
ضحكت ابن عشرين من صبوة
بكيت ابن ستين أوزارها
فلا تعظمن لديك الذنوب
فما زال ربك غفارها











