أدونيس علي أحمد سعيد إسبر ولد عام 1930م شاعر سوري ويعد من رواد الحداثة في الشعر العربي زوج الأديبة خالدة سعيد اهتم وحرص على حفظ العديد من القصائد القديمة عرف باسمه المستعار أدونيس فلقد تبناه تيمنا بأسطورة أدونيس الفينيقية حصل على العديد من الجوائز لشعره المتميز منها جائزة ناظم حكمت جائزة غوتة جائز الإكليل الذهبي للشعر جائزة نونينو للشعر وغيرهم وفيما يلي اجمل قصائد ادونيس
قصيدة مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف
وجه يافا طفل هل الشجر الذابل يزهو؟ هل
تدخل الأرض في صورة عذراء؟ من هناك يرج
الشرق؟ جاء العصف الجميل ولم يأت الخراب
الجميل صوت شريد...
كان رأس يهذي يهرج محمولا ينادي أنا الخليفة
هاموا حفروا حفرة لوجه علي
كان طفلا وكان أبيض
أو أسود يافا أشجاره وأغانيه ويافا.
تكدسو مزقوا وجه علي
دم الذبيحة في الأقداح قولوا جبانة
لا تقولوا كان شعري وردا وصار دماء
ليس بين الدماء
والورد إلا خيط شمس قولوا رمادي بيت
وابن عباد يشحذ السيف بين الرأس والرأس
وابن جهور ميت.
لم يكن في البدايه
غير جذر من الدمع أعني بلادي
والمدى خيطي انقطعت وفي الخضرة العربيه
غرقت شمسي
الحضارة نقالة والمدينه
وردة وثنيه
خيمة
هكذا تبدأ الحكاية أو تنتهي الحكايه.
والمدى خيطي اتصلت أنا الفوهة الكوكبيه
وكتبت المدينه
حينما كانت المدينة مقطورة والنواح
سورها البابلي كتبت المدينه
مثلما تنضح الأبجديه
لا لكي ألأم الجراح
لا لكي أبعث المومياء
بل لكي أبعث الفروق...الدماء
تجمع الورد والغراب لكي أقطع الجسور
ولكي أغسل الوجوه الحزينه
بنزيف العصور.
وكتبت المدينه
مثلما يذهب النبي إلى الموت أعني بلادي
وبلادي الصدى
والصدى والصدى...
كشفت رأسها الباء والجيم خصلة شعر
انقرض انقرض
ألف أول الحروف انقرض انقرض
أسمع الهاء تنشج والراء مثل الهلال
غارقا ذائبا في الرمال
انقرض انقرض
يا دما يتخثر يجري صحارى كلام
يا دما ينسج الفجيعة أو ينسج الظلام
إنقرض إنقرض
سحر تاريخك انتهى
واعذري واغفري
يا قرون الغزالات يا أعين المها...
أحار كل لحظة أراك يا بلادي
في صورة
أحملك الآن على جبيني بين دمي وموتي
أأنت مقبره أم وردة؟
أراك أطفالا يجرجرون
أحشاءهم يصغون يسجدون
للقيد يلبسون
لكل سوط جلده... أمقبره
أم وردة؟
قتلتني قتلت أغنياتي
أأنت مجزره
أم ثورة؟
أحار كل لحظة أراك يا بلادي في صورة...
وعلي يسأل الضوء ويمضي
حاملا تاريخه المقتول من كوخ لكوخ
علموني أن لي بيتا كبيتي في أريحا
أن لي في القاهره
إخوة
أن حدود الناصره
مكة.
كيف استحال العلم قيدا
والمدى نار حصار أو ضحيه؟
ألهذا يرفض التاريخ وجهي؟
ألهذا لا أرى في الأفق شمسا عربيه؟
آه لو تعرف المهزله
سمها خطبة الخليفة أو سمها المهرجان
ولها قائدان
واحد يشحذ المقصله
واحد يتمرغ... لو تعرف المهزله
كيف أين انسللت
بين عنق الذبيح ومقصلة الذابحين؟
كيف ماذ قتلت؟
كنت كالآخرين انتهيت
ولم تنته المهزله
كنت كالآخرين ارفض الآخرين
بدأوا من هناك ابتدىء من هنا
حول طفل يموت
حول بيت تهدم فاستعمرته البيوت
وابتدىء من هنا
من أنين الشوارع من ريحها الخانقه
من بلاد يصير اسمها مقبره
وابتدىء من هنا
مثلما تبدأ الفجيعة أو تولد الصاعقه
مت؟ ها صرت كالرعد في رحم الصاعقه
بارئا مثلما تبرأ الصاعقه
أنظر الآن كيف انصهرت وكيف انبعثت
انتهيت ولم تنته الصاعقه.
أعرف كان ملكك الوحيد ظل خيمة وكان فيها خرق
ومرة يكون ماء مرة رغيف
وكان أطفالك يكبرون
في بركة
لم تيأس انتفضت صرت الحلم والعيون
تظهر في كوخ على الأردن أو في غزة والقدس
تقتحم الشارع وهو مأتم تتركه كالعرس
وصوتك الغامر مثل بحر
ودمك النافر مثل جبل
وحينما تحملك الأرض إلى سريرها
تترك للعاشق للاحق جدولين
من دمك المسفوح مرتين.
وجه يافا طفل هل الشجر الذابل يزهو؟ هل تدخل
الأرض في صورة عذراء
من هناك يرج الشرق
جاء العصف الجميل ولم يأت الخراب الجميل صوت شريد...
سقط الماضي ولم يسقط لماذا يسقط الماضي ولا يسقط؟
دال قامة يكسرها الحزن لماذا يسقط الماضي ولا يسقط؟
قاف قاب قوسين وأدنى
أطلب الماء ويعطيني رملا
أطلب الشمس ويعطيني كهفا
سيد أنت؟ ستبقى
سيدا. عبد؟ ستبقى
هكذا يؤثر يعطيني كهفا وأنا أطلب شمس فلماذا سقط الماضي ولم يسقط؟
لماذا هذه الأرض التي تنسل أياما كئيبه
هذه الأرض الرتيبه.
سيد أنت؟ ستبقى
سيدا. عبد؟ ستبقى
غير الصورة لكن سوف تبقى
غير الراية لكن سوف تبقى
... في خريطة تمتد... إلخ حيث يدخل السيد المقيم في الصفحة 1 راكبا
حيوانا بحجم المشنقة يتحول إلى تمثال ملء الساحات العامة. وكانت
الحاكمة ... وحولها نساء يدخلن في الرمح ويمضغن بخور القصر والرجال
يسجلون دقات قلوبهن على زمن يتكوم كالخرقة بين الأصابع حيث
ك ترتجف تحت نواة رفضية بعمق الضوء
شجر يثمر التحول والهجرة في الضوء جالس في فلسطين وأغصانه نوافذ
أصغينا لأبعاده قرأنا معه نجمة الأساطير جند وقضاة يدحرجون عظاما
ورؤوس وآمنون كما يرقد حلم يهجرون يجرون إلى التيه...
كيف نبد؟
يكفيني رغيف كوخ وفي الشمس ما يمنح فيئ لا لست خوذة سياف ولا
ترس سيد أنا نهر الأردن أستفرد الزهور وأغويها دم نازف
تبطنت أرضي ودمي ماؤها دمي وسيبقى ذلك الساهر النحيل غبار يمزج
العاشق المشرد بالريح ويبقي نسغ.
يتمتم طفل وجه يافا
طفل هنا سقط الثائر
حيفا تئن في حجر أسود
والنخلة التي فيأت مريم تبكي
همست في قدمي جوع
وفي راحتي تضطرب الأرض
كشفنا أسرارنا بقع الدمع طريق أجس خاصرة الضوء يجث
الصحراء والكون مربوطا بحبل من الملائك هل تشهد آثار كوكب يسمع
الكوكب صوتي رويت عنه سأروي...
في زمن الرماد شخص رمى تاريخه لجمر أيامن ومات
لن تعرف حرية ما دامت الدولة موجودة.
تذكر؟ والقاعده
وسلطة العمال... ما الفائده
تنحدر الثورة بعد اسمه
في لفظة تمتد في مائده
هل تقرأ المائده؟
كان فدائي يخط اسمه نارا وفي الحناجر البارده
يموت
والقدس تخط اسمها
لم تزل الدولة موجودة
لم تزل الدولة موجودة.
غير أن النهر المذبوح يجري
كل ماء وجه يافا
كل جرح وجه يافا
والملايين التي تصرخ كل وجه يافا
والأحباء على الشرفة أو في القيد أو في القبر يافا
والدم النازف من خاصرة العالم يافا
سمني قيسا وسم الأرض ليلى
باسم يافا
باسم شعب يرفع الشمس تحيه
سمني قنبلة أو بندقيه...
هذا أنا ل لست من عصر الأفول
أنا ساعة الهتك العظيم أتت وخلخلة العقول
هذا أنا عبرت سحابه
حبلى بزوبعة الجنون
والتيه يمرق تحت نافذتي يقول الآخرون
ماذا يقول الآخرون؟
يرعى قطيع جفونه
يصل الغرابة بالغرابه.
هذا أنا أصل الغرابة بالغرابه
أرخت فوق المئذنه
قمر يسوس الأحصنه
وينام بين يدي تميمه
وذكرت بقعت الهزيمه
جسد العصور
وهران مثل الكاظميه
ودمشق بيروت العجوز
صحراء تزدرد الفصول دم تعفن لم تعد نار الرموز
تلد المدائن والفضاء ذكرت لم تكن البقيه
إلا دما هرما يموت يموت بقعت الهزيمه
جسد العصور.
... في خريطة تمتد إلخ حيث تتحول الكلمة إلى نسيج تعبر في مسامه رؤوس
كالقطن المنفوش أيام تحمل أفخاذا مثقوبة تدخل في تاريخ فارغ إلا من
الأظافر مثلثات بأشكال النساء تضطجع بين الورقة والورقة كل شيء يدخل
إلى الأرض من سم الكلمة الحشرة ... الشاعر.
بالوخز والأرق وحرارة الصوت بالرصاص والضوء بالقمر ونملة سليمان
بحقول تثمر لافتات كتب عليها البحث عن رغيف أو البحث عن عجيزة لكن
استتروا أو هل الحركة في الخطوة أم في الطريق؟.
والطريق رمل يتقوس فوقه الهواء والخطوة زمن أملس كالحصاة...
وكان الوقت يشرف أن يصبح خارج الوقت وما يسمونه الوطن يجلس على حافة
الزمن يكاد أن يسقط كيف يمكن إمساكه؟ سأل رجل مقيد وشبه ملجوم.
لم يجئه الجواب لكن جاءه قيد آخر وأخذ حشد كمسحوق الرمل يفرز مسافة
بحجم لام ميم ألف أو بحجم ص ع ي ه ك ويسير فيها ينسج رايات وبسطا
وقبابا ويبني جسرا يعبر عليه من الآخرة إلى الأولى...
حيث عبرت ذبابة وجلست على الكلمة لم يتحرك حرف طارت وقد استطال
جناحاها عبر طفل وسأل عن الكلمة طلع في حنجرته شوك وأخذ الخرس يدب إلى لسانه...
في خريطة تمتد... إلخ حيث
العدو يطغى وهم يخسرون ويمد وهم يجزرون ويطول وهم يقصرون إلى أن
عادوا إلى علم ناكس وصوت خافت ...
... وعندما يجد الجد ويطلب الأندلس عون الملك الصالح لاستخلاص إقليم
الجزيرة وقد سقط في أيدي الأسبان يكتفي بالأسف والتعزية ويقول بأن
الحرب سجال وفي سلامتكم الكفاية ... ولم يزل العدو يواثبهم ويكافحهم
ويغاديهم القتال ويراوحهم حتى أجهضهم عن أماكنهم وجفلهم عن مساكنهم
وأركبهم طبقا عن طبق واستأصلهم بالقتل والأسر كيفما اتفق....
في خريطة تمتد... إلخ
رفض التاريخ المعروف الذي يطبخ فوق نار السلطان أن يذكر شاعرا... والبقية
آتية
في خريطة تمتد... إلخ
يأتي وقت بين الرماد والورد
ينطفىء فيه كل شيء
يبدأ فيه كل شيء.
... وأغني فجيعتي لم أعد ألمح نفسي إلا على طرف التاريخ في شفرة
سأبد لكن أين؟ من أين؟ كيف أوضح نفسي وبأي اللغات؟ هذي التي أرضع
منها تخونني سأزكيها وأحيا على شفير زمان مات أمشي على شفير زمان
لم يجىء.
قصيدة مفرد بصيغة الجمع
لم تكن الأرض جرحا كانت جسدا
كيف يمكن السفر بين الجرح والجسد
كيف تمكن الإقامة؟
كان لإقامته بين الشجر والزرع شحوب
القصب وسكرة الأجنحة
تآصر مع الموج
أغرى بهدأة الحجر
أقنع اللغة أن تؤسس حبر الخشخاش
وكان سلم يقال له الوقت يتكىء على اسمه ويصعد
نبوءة
نبوءة
من الأجنحة يخرج الأثير
من المصادفة يخرج الحتم
لكن
أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين مني؟
وجه يجتمع بحيرة يفترق بجعا
صدر يرتعش قبرة يهدأ لوتسا
حوض يتفتح وردة ينغلق لؤلؤة
تلك هي أدغال الهجرة ورايات القفر
وللنهار يدا لعبة
وللفلك نبرة المهرج
لكن
أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين مني؟
يلبس الموت حالة البنفسج
يسكن النرجس آنية الثلج
يحلم أن الحب وجه
وأنه مرآته
الحجر برعم الغيمة فراشة
وعلى العتبة جسد شرارة لقراءة الليل
ليس الموت عزلة الجسد
الموت عزلة ما ليس جسدا
لكن
أيتها الشمس الشمس ماذا تريدين مني؟
أبحث عما لا يلاقيني
باسمه أنغرس وردة رياح
شمالا جنوبا شرقا غربا
وأضيف العلو والعمق
لكن كيف أتجه؟
لعيني لون كسرة الخبز
وجسدي يهبط نحو داء له عذوبة الزغب
لا الحب يطاولني
ولا تصل إلي الكراهية
لكن
كيف أتجه؟ وماذا تريدين مني
أيتها الشمس الشمس؟
يمحو وجهه يكتشف وجهه
يتقدم الخطف تلبسك فتنة بفجرها الأول
يتقدم الوقت أين المكان الذي تزمن فيه الحياة؟
تتقدم العتمة أية رجة أن أوزعك في كريات دمي
وأقول أنت المناخ والدورة والكرة
أية زلزلة؟
يتقدم الضوء يليل في أنحائي
أنقطع أتصل
والوقت يأخذ هيئة البشرة
يخرج من الوقت
وسقط
غزوك
علي
وشهقت إليك أحوالي
لماذا حين دخلت أخذت الحقول تشتعل وكانت
يداي أول النار
ولماذ كل ليلة
كنت أحمل زغب نهديك لليلة مقبلة؟
أدخلي
وعلى ركبتيك
تراب وفي الطريق إليك إلي
الجبال
وسرو المنحدرات
وشربين الأودية أقول نلتقي نفترق
وأستجمع أنحائي
أيها الحنظل المتناثر ملحا على موائد الإباحة
أنت العذوبة وأمنحك طعمي الأول
جسدك التيه أخرج
وأسفار خروجي أنت
آخذك أرضا لا أعرفها
تلالا وأودية تغطيها نباتات البحث
امتدادات غامضة
وآخذك واقفا
قاعدا
راقدا
ولا أقنع بغيرك
آخذك
في تنهداتي
في اليقظة والنوم
في الحالات الوسيطة
وفي ما يعده لي الوقت
آخذك
ثنية ثنية
وأفتتح مسالكي
أتمدد فيك لا أصل
أتدور لا أصل
أتسلك أنتسج لا أصل
أصل من أقاصيك لا أصل
ما بعد المسافات أنت ما بعد المفازات
أنت أين وهل وماذا وكيف ومتى وأنت
لا أنت
انبسطي على جسدي وانغرسي
خلية في خلية
عرقا في عرق
ولتخرج منك آلاف الشفاه
آلاف الأسنان
ولتكن غير معروفة لتكون على قدر حبنا
وأكون علقت صورتك بجميع الصور
ويكون جاءني الكشف وقلت
هذا لقاؤنا الأخير
من أنت؟
آخذك
حيوانا
يضع السم في شفة
والبلسم في شفة
وكل ليلة أقول
هذا لقاؤنا الأول
أيها الأحد
ق
م
ر
ش ع ش ا ع
وليس لي معك غير الهواتف
وغير البوارق
وما يطوف
ويهتز جسدي بالكنه اللازم له
والملكات الواجبة في أشيائه
وأصرخ أنت الهباء
وأنت القادر
من أنت؟
جسد يكبر في الخزام والخالدة
ينحدر يعلو يستشرف
يجمع الضفاف ويقرأ هذيان القصب
جسستك بعيني
رقصا يتقدم في خطوات الفصول
تنهدت في ناردين
وأخذت أشكال تروح وتجيء في لجج
الخاصرة يصطدم الغريق بالغريق
أخرج من الخيزران
أدخل المدقة
أتغلغل في أخبية القاعدة
حيث يكمن البيض وينتهي قلم السمة
أتجمع كما يتجمع اللقاح
أخلعك أتزيا بك
أنسلخ منك أتحد بك
وأخلق بيني وبينك
خداعا بعلو الشمس
رياء يكسر الزمن غصنا غصنا
من أنت؟
تحت البشرة الهوية
في شراييني خبطة المس
أتدحرج بين أنا الجمر وأنا الثلج
وبين
الياء
والألف
أتدلى
أخلق في اليوم يوما آخر
وأربط بحبل الدقائق أهوائي
تقول المرآة اكسريني
تقول الخطوات قيديني
وبين آلة الموت وحيوان الألفاظ
أنغرس أنجذر
وألعب نرد الطبيعة.
دائما
كان
بيننا
مسافة قلنا
يمحوها اللهب الذي نسميه الحب
والتصق النهار بالنهار الليل بالليل
وبقيت بيننا مسافة
أطفأنا ما لا ينطفىء
أشعلنا ما لا يشتعل
وبقيت بيننا مسافة
وفي ساعات التحام الشهيق بالشهيق والنطفة بالنطفة
بقيت بيننا مسافة
أيها الحب أيها النسل المنطفىء
تقدم واجلس على ركبتي ركبتيها
خذ إبر الدمع وانسج الماء
تحيينا أجراس الرغبات
نبتكر موتا يطيل الحياة
نبتكر خداعا بعلو الطفولة
رياء بصدق الشمس
من نحن؟
يجمعنا جسر لا نقدر أن نعبره
يوحدنا جدار يفصلنا أدخل فيك أخرج مني
أخرج منك أدخل في
ما أبنيه يهدمني
تشبهت لي أنك الفضاء
وأضغثت الرؤيا
أمسكت بوردة هبطت واديك انتظرت
بيننا نهر والجسر بيننا نهر آخر
سمعتك تسألين أينا الكبد
أينا النواح؟
اختلطت بالجزع وأعشاشه
صرخت اتحدنا كرة من النار
انطفئي الآن أنطفىء الآن
لنعرف نعمة الجمر
نمحو وجهينا نكتشف وجهينا
هواجس
أصدافا
مرايا
ننفذ عبرها إلى شخوصنا الثانية
نفتح صدرينا للأكثر علوا
ينفتح لنا الأكثر انخفاضا
ويدخل كلانا في برج الوحدنة
في عزلة عصفور يحتضر
ويتذوق كلانا طعم الآخر
وتسكر أعضاؤه بالحياة لحظة يسكر الآخر
بالموت
وكلانا يسر نعم لحظة يجهر لا
ويسر لا لحظة يجهر نعم
كيف تغسلين جسدك ويزول ماؤك الثاني؟
كيف أغسل جسدي ويعود لي مائي الأول؟
أنا سؤالك
ولست أنت جوابي
عرفتك بحنيني
بشرتك به وربطتك بنفسي
لكي يتحرك جسدك حركة الحكيم
وأتحرك به
بما فوقه
بما تحته
وبالذي بين يديه
لكي أحيط بك إحاطة تخلصني من كل قاطع
يقطعني عنك
أقرأ كتاب كنهك
أتطور في أصولك
أذوق موجوداتها
وأشخصها في أوهامي
لكي تكوني النقطة
وأكون الخط والشكل
لكي تكوني من وما يتلوها
عن وما عندها
حيث لا تسعني الكلمات
حيث لا يسعني غير التخييل والرمز
لم أقصدك
لست بحرك
لست البجع الذي تنتظرينه
وليس لي غير أطراف
أطراف تتيه
تتوه في حمى لم أكتشف حدودها بعد.
محوتك اكتشفتك
بسطت على الورق أجنحتي واستدعيتك
قلت الموت شيخ
من أين له بعد أن يلحق بن؟
قلت جسدي شمال والزمن جنوب
كيف لهما أن يلتقي؟
ولك أمامي الذي لا يهرم
ولك أبدية الجهات الباقية من أعضائي
ولك منحت عيني الأرق ويأسي النوم
ولك ساويت بين الصحراء والبحر
العين والشوك
ولك استثنيت المعنى من حشود الكلمات
وسميته الصورة
ووفاء لأسمائك التي أنزلتها سلطانا
قلت للأبجدية تشهيت ووحمتك
ولك غيرت وأقنعت سنواتي أن تكون جمرة التغير
ولك استوهبت اللهب أخطائي وأقنعت الجسد
أن يكون مجد الصفات
ألتهمك خلية خلية لا تروينني
أحتويك نبضة نبضة لا راحة لي فيك
لا الغيرة تفصلني عنك لا الكراهية
يفصلني شعور لا اسم له
وأنت الآن الزمن والموت
من أين لي أن أسترجعك؟
تحتضرين أندفع نحوك
أجس بقاياك
وألمس كيف ترحلين
لم
أكن
لست إلا رذاذا يشهي
كنت البطيء وسبقتني ثيابي
موتي سلم لجسدي وجسدي بلا قرار أين أثبت؟
أثبت السحاب قلت للزبد أن يكون
مفتاح الموج أين أثبت؟
ليس الاسم جذرا ليس الجذر امرأة ليس أين أثبت؟
القش يأتزر بالورد والكلمات تكسر صلبانها أين أثبت؟
وجاءني الأفق سمى نفسه باسمي
ليس الاسم حضنا
ليس الحضن امرأة
آخذ شفتي منك هذه الليلة
أيتها الأرض الوحمى ولا حبل
لأعرف كيف تهطلين أيتها الصحراء
كيف تزدادين اتساعا
لأعرف حتم اليأس
لأعرف كيف نحب دون أن نحب
كيف يذبل ما تسمى بأسمائنا الأولى
وارتوى بما حسبناه لا يعرف الذبول
الجرح دلتا
البلسم ألف
والجسد حروف بلا نقاط
أية هاوية تتسع لأعضائي
ليس للمكان قصبة لأتوكأ
ليس في مناخه غيوم لأتوسم المطر
وها أسمع في جسدي
جذوعا تنبتر
وأشلاء تتطاير
وها أنسكب في شظاياي
وأسترخي
أيها الحب الرأس الذي يشجه الجسد عرقا عرقا
أيها الحب يا أرومة الماء
اتسع
كن الهباء والشمس
وأثبت الغبار بالغبار.
تمرحل أيها الجسد من الآن إلى الموت
متى ولدت ما عمرك؟
تمدد أيها البخار يا دمي ورافق استطالاتي
ثمة أمواج تقبل من شواطىء غير مرئية
تقول إنها استطالاتي
ثمة صلصال غير اسمه
حرف خرج من صوته
أفق على شفا الأفق
تقول إنها استطالاتي
وبين العصب والعصب صحارى
تقول إنها استطالاتي
وأنت يا زهرة الآلام امنحيني احتمالات أخرى
كوني أمومة زهرة بآلاف الأسدية والمدقات
الكؤوس والتويجات
امنحيني اذكري وجهي
كنت تنحنين عليه كلما جمعنا ماء أو هواء
لنقرأ الموت
تمتزج رائحتانا
تنمو أطرافنا توائم توائم
أقول لك تموتين مأخوذة بالماء
تقولين لي تموت مأخوذا بالشمس
لكن
لحظة تذبلين بين عيني
يفصلنا لهب لهب لهب
ومتاهات الأحد السبت الجمعة الخميس
أصل فيك الشهوة بطعم التراب
والفرح بنكهة الموت
وها هو جسدي
موشوما ببقع الحسرة
يزحف بين كلماتي
تتكاثف أدغال الأرق
تعلو أمامي الجبال
الشجر ينام
ولكل حصاة أذنان تصغيان إلي.
توهمت أن اليد يد وأن الوجه هو الوجه
وكان هذا تعاطفا مع الرمل.
الجسد يتذكر الحب ينسى
الحب أن نذهب الجسد أن نجيء
الحب أن نستوهم الجسد أن نتبلبل
الحب هذا الهزل الكوني
من أجل أن يظل الأبد مشقوقا
من أجل أن نهسهس الشك.
باسم جسدي الميت الحي الحي الميت
ليس لجسدي شكل
لجسدي أشكال بعدد مسامه
وأنا لا أنا
وأنت لا أنت
ونصحح لفظنا ولسانينا
ونبتكر ألفاظا لها أحجام اللسان والشفتين
الحنك
وأوائل الحنجرة
ويدخل جسدانا في سديم دغل وأعراس
ينهدمان
ينبنيان
في لجة
احتفال
بلا شكل
بطيئا سريعا
نحو ما سميناه الحياة
وكان فاتحة الموت.
باسم جسدي الميت الحي الحي الميت
ارتفع السرو بين الاسم والوجه
عادت اللغة إلى بيتها الأول
كان الحب قبرا دخلت إليه وخرجت
كان القبر نزهة لراحة الأوردة
ومات النحو والصرف
وحشرا بين يدي أول قصيدة كتبتها وآخر قصيدة
وأخذ الحشر يحكم ويفصل
يبرئ ويدين
لكي يأتي الليل
يشرد النهار خارج النهار
لكي يأتي النهار
يشرد الليل خارج الليل
لكي تحتفظ الأرض بذكرى العشب
تتغطى بالقش
باسم جسدي الحي الميت الميت الحي
للجسد أن يفصل بين جسدي وجسدي
له أن يعتقل عضوا بعضو
يحارب خلية بخلية
له أن يزرع دمي ويحصده
وللجسد أن يكون جسدي
ضد جسدي.
سلاما لآلات غير مرئية أبتكرها لأبتكر أجسادي الأخرى
قلوبي الأخرى
سلاما لكوكبي الجالس على طرف القيد
يتخذ من قدمي وذراعي حدودا وأعلاما
سلاما لوجهي يتبع فراشة تتبع النار
هل أفصل نفسي عن نفسي
هل أجامعها هل الجما
ع لحظة انفراد أم لحظة ازدوا
ج؟ هل آخذ وجها آخر؟ وما
ذا يفعل جسد تبقعه جراح لا تلت
ئم؟ إنها الصحراء
تطبق علي وها هو
الجراد يحتنك أطرافي
أجلس أيها الموت في مكان آخر
ولنتبادل وجهينا
أصنع نبضي نسغا لأبجديتي
أسويك الجلد
أسميك النظر
طعم الأشياء
...
وأقول باسمك
ابتسم أيها النهر لجفافك
امرحي أيتها الزهرة بين الشوكة والشوكة
وأقول باسمك
في الرمادي أفتح جسدا أتجول في أرجائه
حيث يتمشى قوس قزح بخطوة الطفل
ويكون لخيالي أن يفترس عيني
ويهدم الجسور بيني وبين ما حولي
ويكون لي أن أصعد وألتقف الهواء المحيط.
وأقول باسمك هامسا لأشباحك
أيتها العطور التي تفرز الرغبة
تزيني
واستهويني.
وأقول باسمك
دائما على شفا الجنون
لكنني لا أجن.
اجلس أيها الموت في مكان آخر ولنتبادل وجهينا
أسميك الجسد وأسأل
كيف أعيش مع جسد أتهمه
وأنا المتهم والشاهد والحكم؟
وأسميك جسدي
وأرى إليك إليه يتفكك ويتركب
الساعد فخذ
المعصم كاحل
اليد قدم
الكتف مرفق
وما تبقى غير ما تبقى
وأستسلم أنا الراسخ
كانهيار ثلجي
عنقي يهبط في الترقوة
وتهبط هذه في الصدر
ويهبط الصدر في ليل الردفين
والردفان في شمس الأحقاء
وتكون الأحقاء رصاصا يرسب في أطراف
الساقين وتتنور بأعضائي أعضائي.
وتقول باسمي
أسميك عاشقا
وجها إلى الحيوان
وجها إلى النبات
وأصغي إلى هذيانك يطلع
في لهاث العناصر
دال تاء
بحسب حركاتك يجري أمري
والليل والنهار بريدي إليك
يتراكضان كمهرين في سباق
كيف أقمع هوائجي
والحاجة إليك هتكتني؟
واو نون
كيف أقمع هوائجي
والحاجة إليك هتكتني؟
تبكين؟
لا تحرق النار موضعا مسه الدمع
لذلك أبكي
ينبت القرنفل في الدمع
لذلك أبكي
وأمس قرأت كل شهوة قسوة إلا
الجماع يرقق ويصفي
لذلك أبكي.
سين ألف
أدخلي كأنك نقبت الجحيم وخرجت منها
أو كأنك امرأة تشتري العطر بالخبز
أحصيك وأستقصيك
أزمن فيك وأكوكب حولك أعضائي
وكنت صادفت نفسي فيك
وحين تبعتك
قلت النفس يتبع بعضها بعضا.
لكن
لماذا أنا كثير بنفسي قليل بك؟
لماذ كلما اقتربت إلي أشعر كأن عضوا يسقط مني؟
مع ذلك ادخلي
لا يزال جسدي رطبا بذكرك
وكيف أقمع هوائجي
والحاجة إليك هتكتني؟
وأقول باسمك لجسدها
جسدك صوتي أسمعه
نظري أتشرد فيه جسدك رحيلي وكل خلية منطلق
جسدك مرفأي وأضلل المراسي جسدك الصخر يستبقيني
الغبار يطير بي
جسدك هبائي
ويظللني
جسدك فضاؤك وأنا وحوشه المجنحة
جسدك قوس قزح وأنا المناخ والتحول.
وأسأل باسمك
أصحرت لا مأوى
استأسنت من يطهرني؟
من يعصمني من العبارة
تكدر
من الإشارة
تضمحل
وكيف يتحرر القفص؟
وتقول باسمي
أبدع لجسدك ما يناقضه
كن الهباءة والحصاة في جسد واحد
أكمل جسدك بنفيه
ولتكن اللغة شكل الجسد
وليكن الشعر إيقاعه.
إجلس أيها الموت في مكان آخر ولنتبادل وجهينا
أقول باسمك وباسمي
نضلل الحياة وهي التي تقودنا
ماذا أفعل
وجسدي أوسع من الفضاء الذي يحتويه
أنا الباحث
وليس أمامي غير الموت؟
ونقول باسمها وباسمك وباسمي
تجوهرت بك
وكنت أطمح إلى التبدد
وفتحتك بجسدي لكن
بماذا أختمك؟
ومع أنني مشوب بك
فأنا شيء لا يستند إلى شيء
ليس مربوطا
ولا ملتحما
ولا حالا
لكنني أسيل لا أقف
وجسدي رمى إذ رمى
بقاب قوسين
وأنا الصحيح المريض برزخ الجنس
استوليت
إلبت الكم والكيف
فت ما يقال
مع ذلك
عييت من تصورك على أنحاء ومراتب
وأعوذ بأسمائنا من علم اليقين
أليقين شرك الضمائر
والمعرفة
أن
تعلم وتجهل
هكذا أتحرك في سلاسل جنوني وأنوع الحلقات
هكذا أيها الثابت
المتبدل
المتصون
يا جسدي
وكذا
وكذا
وكذا
هكذا أسأل
أنت صراطي كيف أقطعك؟
أو
أسأل
هل أنت حكاية محرفة ومكذوبة علي؟
هكذا
أنكر ما يفرقني
وما يجمعني
وأقول باسمك
أنا الماء يلهو مع الماء .
قصيدة أول الشعر
أجمل ما تكونُ أن تُخلخلَ المدى
والآخرون بعضهم يظنّك النّداءَ
بعضهم يظنّك الصّدى.
أجمل ما تكونُ أن تكون حجّةً
للنور والظّلامِ
يكون فيك آخرُ الكلامِ أوّلَ الكلامِ
والآخرون بعضهم يرى إليك زبدًا
وبعضهم يرى إليك خالقًا.
أجمل ما تكون أن تكون هدفًا
مفترقًا
للصّمتِ والكلامِ .
أول التهجية
نقدرُ، الآنَ، أن نتساءلَ كيف التقينا
نقدرُ، الآنَ، أن نَتَهجّى طريقَ الرّجوعْ
ونقولَ: الشواطىءُ مهجورةٌ،
والقلوعْ
خَبَرٌ عن حُطامٍ.
نقدر، الآن، أن ننحني، ونقولَ: انْتَهَيْنا .
قيس
كان قيسٌ يقول: اكتسيتُ بليلى
وكسوتُ البَشَرْ
ورأيتُ إليه يُغطّي
وجنتيهِ بنارٍ
ويسامرُ غاباتها ويُطيل السّمَرْ.
ورأيتُ إليه يلمُّ القمَرْ
حُفنةً حفنةً من ضِفافِ السّهَرْ .
أول الكلام
ذلك الطّفل الذي كنتُ، أتاني
مرّةً
وجهًا غريبًا.
لم يقل شيئًا. مشينا
وكِلانا يرمقُ الآخرَ في صمتٍ. خُطانا
نَهَرٌ يجري غريبًا.
جمعتْن، باسْمِ هذا الورقِ الضّارب في الرّيح، الأصولُ
وافترقْنا
غابةً تكتبها الأرضُ وترْويها الفصولُ.
أيها الطّفل الذي كنتُ، تَقَدَّمْ
ما الذي يجمعن، الآنَ، وماذا سنقولُ؟
من المطابقات والأوائل 1979
فصيدة مختارات
لو أن البحر يشيخ
لاختار بيروت ذاكرة له.
كل لحظة
يبرهن الرماد أنه قصر المستقبل.
يسافر
يخرج من خطواته
ويدخل في أحلامه.
كلما هذبته الحكمة
فضحته التجربة.
يرسم خرائط
لكنها تمزقه.
أغلق بابه
لا لكي يقيد أفراحه
بل لكي يحرر أحزانه
رماده يفاجىء النار
وناره تفاجىء الوقت.
ينكر الأشياء التي تستسلم له
تنكره الأشياء التي يستسلم لها.
الماضي بحيرة
لسابح واحد الذكرى.
لا وقت للبحر لكي يتحدث مع الرمل
مأخوذ دائما بتأليف الموج.
اليأس عادة والأمل ابتكار.
للفرح أجنحة وليس له جسد
للحزن جسد وليس له أجنحة.
الحلم هو البريء الوحيد
الذي لا يقدر أن يحيا إلا هاربا.
الفكر دائما يعود
الشعر دائما يسافر.
السر أجمل البيوت
لكنه لا يصلح للسكنى.
يصدأ اللسان من كثرة الكلام
تصدأ العين من قلة الحلم.
أنى سافرت كيفما اتجهت
أعماقك أبعد الأمكنة.
جرحت باكرا
وباكرا عرفت
الجراح هي التي خلقتني.
قرية صغيرة هي طفولتك
مع ذلك
لن تقطع تخومها
مهما أوغلت في السفر .
مختارات
الحب جسد أحن ثيابه الليل.
للأعماق منارات
لا تهدي إلا الى اللج.
شجرة الحور مئذنة
هل المؤذن الهواء؟
أقسى السجون وأمرها
تلك التي لا جدران لها.
كان أبي فلاحا
يحب الشعر ويكتبه
لم يقرأ قصيدة
إلا وهي تضع على رأسها رغيفا.
الحلم حصان
يأخذنا بعيدا
دون أن يغادر مكانه.
قناديل
ما هذا الإنسان
الذي لا نعثر على اللاإنساني
إلا فيه؟
أهواء الحكم
تفتح الأبواب واسعة
لحكم الأهواء.
بقدر ما تضيق رقعة القول
تضيق رقعة الوجود.
دليل للسفر في غابات المعنى
ما الغيب؟
بيت نحب أن نراه
ونكره أن نقيم فيه.
ما السر؟
باب مغلق إذا فتحته انكسر.
ما الحلم؟
جائع لا يكف عن قرع باب الواقع.
ما اليقين؟
قرار بعدم الحاجة الى المعرفة.
ما القبلة؟
قطاف مرئي
لثمر غير مرئي .
من فهرس لأعمال الريح 1998
قصيدة الصقر
وأقبلت الخيل فصاحوا علينا من الشط ارجعا لا
بأس عليكم فسبحت وسبح الغلام أخي فالتفت
إليه لأقوي من قلبه فلم يسمعني واغتر بأمانهم
وخشي الغرق فاستعجل الانقلاب نحوهم وقطعت
أنا الفرات ثم قدموا الصبي أخي الذي صار إليهم
بالأمان فضربوا عنقه ومضوا برأسه وأنا أنظر إليه
وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومضيت إلى وجهي
أحسب أني طائر وأنا ساع على قدمي.
عبد الرحمن الداخل
صقر قريش
هدأت فوق وجهي بين الفريسة والفارس الرماح
جسدي يتدحرج والموت حوذيه والرياح
جثث تتدلى ومرثية
وكأن النهار
حجر يثقب الحياة
وكأن النهار
عربات من الدمع
غير رنينك يا صوت
أسمع صوت الفرات
قريش...
قافلة تبحر صوب الهند
تحمل نار المجد.
... والسماء على الجرح ممدودة والضفاف
تتهامس تمتد
بيني وبين الضفاف
لغة بيننا حوار
حضنته الكراكي طافت به كالشراع
بيننا
وافراتاه كن لي جسر وكن لي قناع
وترسبت
غير رنينك يا صوت أسمع صوت الفرات
قريش...
لؤلؤة تشع من دمشق
يخبئها الصندل واللبان
أرق ما رق له لبنان
أجمل ما حدث عنه الشرق...
افتحي يا براري مصاريع أبوابك الصدئات
ملك والفضاء خراجي ومملكتي خطواتي
في الشقوق تفيأت
كنت أجس الدقائق
أمخض ثدي القفار
سرت أمضى من السهم أمضى
عقرت الحصى والغبار
كانت الأرض أضيق من ظل رمحي مت
سمعت العقارب كيف تصيىء هديت القطا في المجاهل
مت انحنيت على الأرض أكثر صبرا من الأرض مت
انكببت على كاهل الريح
صليت
وشوشت حتى الحجار
وقرأت النجوم كتبت عناوينها ومحوت
راسما شهوتي خريطه
ودمي حبرها وأعماقي البسيطه.
لو أنني أعرف كالشاعر أن أغير الفصول
لو أنني أعرف أن أكلم الأشياء
سحرت قبر الفارس الطفل على الفرات
قبر أخي في شاطىء الفرات
مات بلا غسل ولا قبر ولا صلاه
وقلت للأشياء والفصول
مدي لي الفرات
خليه ماء دافقا أخضر كالزيتون
في دمي العاشق في تاريخي المسنون.
لو أنني أعرف كالشاعر أن أشارك النبات
أعراسه
قنعت هذا الشجر العاري بالأطفال
لو أنني أعرف كالشاعر أن أدجن الغرابه
سويت كل حجر سحابه
تمطر فوق الشام والفرات
لو أنني أعرف كالشاعر أن أغير الآجال
لو أنني أعرف أن أكون
نبوءة تنذر أو علامه
لصحت يا غمامه
تكاثفي وأمطري
باسمي فوق الشام والفرات
بالله يا غمامه...
علامة...
مهلك يا حنيني...
ألصقر في بادية العروق في مدائن السريره
ألصقر كالهالة مرسوم على بوابة الجزيره
والصقر في الحنين في الحيرة بين الحلم والبكاء
والصقر في متاهه في يأسه الخلاق
يبني على الذروة في نهاية الأعماق
أندلس الأعماق
أندلس الطالع من دمشق
يحمل للغرب حصاد الشرق.
يومىء الصقر للصقور
متعب حملته متاهاته حملته الصخور
وجهه يتقدم والشمس حوذيه
والفضاء
موقد
والرياح عجوز تقص حكاياته
والصقور
موكب يفتح السماء
يرفع كالعاشق في تفجر مريد
في وله الصبوة والإشراق
أندلس الأعماق
يرفعها للكون هذا الهيكل الجديد
كل فضاء باسمه كتاب
وكل ريح باسمه نشيد .
من كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل 1965
قصيدة الوقت
حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار
ما الدم الضارب في الرمل وما هذا الأفول؟
قل لن يا لهب الحاضر ماذا سنقول؟
مزق التاريخ في حنجرتي
وعلى وجهي أمارات الضحيه
ما أمر اللغة الآن وما أضيق باب الأبجديه.
حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار
جثث يقرؤها القاتل كالطرفة أهراء عظام
رأس طفل هذه الكتله أم قطعة فحم؟
جسد هذا الذي أشهد أم هيكل طين؟
أنحني أرتق عينين وأرفو خاصره
ربما يسعفني الظن ويهديني ضياء الذاكره
غير أني عبثا أستقرىء الخيط النحيل
عبثا أجمع رأسا وذراعين وساقين لكي
أكتشف الشخص القتيل
حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار
... كشف البهلول عن أسراره
أن هذا الزمن الثائر دكان حلي
أنه مستنقع ...
كشف البهلول عن أسراره
سيكون الصدق موتا
ويكون الموت خبز الشعراء
والذي سمي أو صار الوطن
ليس إلا زمنا يطفو على وجه الزمن.
حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار
شجر الحب بقصابين آخى
شجر الموت ببيروت وهذي
غابة الآس تؤاسي
غابة النفي كما تدخل قصابين في خارطة
العشب وتستقطر أحشاء السهول
دخلت بيروت في خارطة الموت قبور
كالبساتين وأشلاء حقول
ما الذي يسكب قصابين في صيد وفي صور
وبيروت التي تنسكب؟
ما الذي في بعده يقترب؟
ما الذي يمزج في خارطتي هذي الدماء؟
... يبس الصيف ولم يأت الخريف
والربيع اسود في ذاكرة الأرض الشتاء
مثلما يرسمه الموت احتضار أو نزيف
زمن يخرج من قارورة الجبر ومن كف القضاء
زمن التيه الذي يرتجل الوقت ويجتر الهواء
كيف من أين لكم أن تعرفوه؟
قاتل ليس له وجه له كل الوجوه...
حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار
منهك ألتفت الآن وأستشرف ما تلك الخرق؟
أتواريخ؟ إبلدان؟ أرايات على جرف الغسق؟
هوذا أقرأ في اللحظة أجيالا وفي الجثة آلاف الجثث
هوذا يغمرني لج العبث
جسدي يفلت من سيطرتي
لم يعد وجهي في مرآته
ودمي ينفر من شريانه..
ألأني لا أرى الضوء الذي ينقل أحلامي إليه؟
ألأني طرف أقصى من الكون الذي باركه غيري وجدفت
عليه؟
ما الذي يجتث أعماقي ويمضي
بين أدغال من الرغبة بلدان محيطات دموع
وسلالات رموز؟
بين أعراق وأجناس عصور وشعوب؟
ما الذي يفصل عن نفسي نفسي؟
ما الذي ينقضني؟
أأنا مفترق
وطريقي لم تعد في لحظة الكشف طريقي؟
أأنا أكثر من شخص وتاريخي مهواي وميعادي
حريقي؟
ما الذي يصعد في قهقهة تصعد من أعضائي المختنقه؟
أأنا أكثر من شخص وكل
يسأل الآخر من أنت؟ ومن أين؟
أأعضائي غابات قتال
... في دم ريح وجسم ورقه؟
أجنون؟ من أنا في هذه الظلمة؟ علمني وأرشدني
يا هذا الجنون
من أنا يا أصدقائي؟ أيها الراؤون والمستضعفون
ليتني أقدر أن أخرج من جلدي لا أعرف من كنت
ولا من سأكون
إنني أبحث عن إسم وعن شيء أسميه
ولا شيء يسمى
زمن أعمى وتاريخ معمى
زمن طمي وتاريخ حطام
والذي يملك مملوك فسبحانك يا هذا الظلام.
حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار
آخر العهد الذي أمطر سجيلا يلاقي
أول العهد الذي يمطر نفطا
وإله النخل يجثو
لإله من حديد
وأنا بين الإلهين الدم المسفوح والقافلة المنكفئه
أتقرى ناري المنطفئة
وأرى كيف أداري
موتي الجامح في صحرائه
وأقول الكون ما ينسجه حلمي.. تنحل الخيوط
وأرى نفسي في مهوى وأسترسل في ليل الهبوط
طرق تكذب شطآن تخون
كيف لا يصعقك الآن الجنون؟
هكذا أنتبذ الآكل والأكل وأرتاح إلى كل متاه
وعزائي أنني أوغل في حلمي أشتط أموج
وأغني شهوة الرفض وأهذي
فلك الزهرة خلخال لأيامي والجدي سوار
وأقول الزهر في تيجانه
شرفات...
وعزائي أنني أخرج أستنفر أفعال الخروج.
هكذا أبتدئ
حاضنا أرضي وأسرار هواه
جسد البحر لها حب له الشمس يدان
جسد مستودع الرعد ومرساة الحنان
جسد وعد أنا الغائب فيه
وأنا الطالع من هذا الرهان
جسد غطوا بضوء المطر العاشق وجه الأقحوان
وليكن...
أحتضن العصر الذي يأتي وأمشي
جامح مشية ربان وأختط بلادي
إصعدوا فيها إلى أعلى ذراها
إهبطوا فيها إلى أغوارها
لن تروا خوفا ولا قيدا كأن الطير غصن
وكأن الأرض طفل والأساطير نساء
حلم؟
أعطي لمن يأتون من بعدي أن يفتتحوا هذا الفضاء.
قصيدة المهد
... إذن أدعو إلى تواطؤ الهمس والشمس العنق والأفق
إذن أشبه غمدان بالنهار وبلقيس بالليل وأنا بينهما الهديل.
شجر أيامه عار والجذر الذي نماه يأخذ شكل الصحراء وها
هو التاريخ يلف بالسراويل والوطن يكسى بالرمل لكن هذا
الظاهر لا يعرف من هو يعرفه باطن لم يحن ظهوره بالغياب
يمتحن ويستقصي وباسم الحضور يسن شفرة الكتابة ويحزر
هذه الأرض.
إنها مهرة الحبر تخب في سهول الحلم لكن لأحلامه طبيعة
الجبال محارات وقواقع يلفظها موج الذاكرة الزبد ينعقد أساور
في معصم الشاطىء والصخر صنارة الهواء ورأى أن لأيامه
جسدا تمسحه الرياح بريشه وأن دربه غابات تحترق
كيف يحرر هذا الأفق الذي يلتهمه منشار الرعب؟
قال أنسلخ من أنقاضي وأرمي نردي ...
علي أحمد سعيد اسم يماني
سمعت هذا مرارا والنقش الذي بقي من قصر غمدان يعرف
اسمي والحجر الذي نصب لعشتر يتذكر اسمي لي في
تراب اليمن عرق ما طينتي قابلة وغريزتي حرة
أنا الأسطورة والهواء جسدي الذي لا يبلى
هكذا ذهبت مع ظني الجميل انسلخت من أنقاضي ورميت نردي
هوذا أتوهج مع رامبو بين جمرة عدن وتباريح المندب عاريا
مني مكسوا بها أضيع فيها وتتضوع في
عدن قدماها موج
جذعها براكين فجرها يطوف ساحاتها بقميص من نار وحين
يقرع بابك يأتي محمولا على أجنحة النوارس تنهض وتجلس مع
شمس تجمع بين حكمة الغراب وعذوبة البجع ترى إلى البواخر
تتدور قبابا تكتنز المحيط ومن كتابها مفتوحا على مدى الزرقة
تسمع كلمات لم تألفها تفرغها على صفحات الشوارع رافعات
وعربات محابر وأقلام من معدن آخر وكنت أسمع كلمات
أخرى تتساقط على الأرصفة يمتلىء وجهها بالجراح ولا
شفاء لرضوضها وبين أسلاك الحديد وأسلاك القنب يتصاعد
الصخب
عمال يفتحون خزائن الموج
عمال يفرغون ويفرزون
عمال يحزمون ويكومون
وترى إلى العرق يتدحرج على جباههم وأعناقهم وتتمرأى فيه
كأنك تتمرأى في ماء عالم جديد وترى إلى طيور البحر تتكتب
وتهجم تريد أن تشارك في هذه الضجة الخالقة وتنسيك طلاسم
التقنية التي تكتب المدينة طلاسم كنت تتوسلها في طفولتك لتقرأ
الغيب
... وأخذت عدن تتراءى قصيدة لم تكتب وكان رامبو قد حاول
استخرج حبرا آخر من كيميائه لكن خانته كيمياء العصر.
أتحدث مع عدن وتوحي إلي صنعاء تسير معك الأولى وتقبل
إليك الثانية فيما تجلس حولهما الجبال كمثل شهب هدها
السير.
صنعاء تسندني أشجار السدر تظللني أشجار العرعر
تحضنني بيوت أعشاش تواكبني مدرجات سلالم وحين أنخفض
في تهامة وألتبس بعشب الأقاليم تتخطفني نباتات تتآلف مع
الصخر ونباتات تعشق الملوحة وتنفجر أمامي الأودية حقولا
فيضية وها هي المياه أمهات يرضعن النخيل والأثل الأراك
والطلح ويرضعن حشائش لاتفقهها اللغة
صنعاء أستسلم لمهرة الحبر وألقي رأسي على خاصرة
أحلامها هل أهمس لبلقيس أن تكسر عقرب الوقت؟ هل الذاكرة
بلقيس هل بلقيس النسيان؟ هل بلقيس نجمة العصب هل هي
أنين القصب؟ هل هي الضوء تفرزه شمس لا تترك أثرا
لخطواته؟ هل هي الحنان يدفق عاريا وأعزل كماء الينابيع؟
هل هي المنجل يحصد الظلام؟ السؤال يجمح ولا أعرف كيف
أروضه.
لي في تراب اليمن عرق م
والخريف الذي يتساقط من أعضائي ورق يكتبه مهب المرارات
يتساقط في خيط يجيء من جنائن علقت بقدمي كوكب تائه
جنائن تنعكس فيها الفصول وتعوم أشلاء النهار والليل جنائن
أجهد فيها أن أعري الرقيم والكهف أن ألامس نصل اللقاح
حيث يرقد غبار الطلع أجهد أن أكتشف وحدة الشفاه بين الزهر
والنحل وأن أنقش الجانب الآخر من عملة السر
لي في تراب اليمن عرق م
هل يجدي هذا الجيش الذي أتقدمه في جبين هذه الليلة حيث
يخرج طائر الرغبة نحو سمت من السرخس ودوار الشمس؟
هل يجدي ذلك الحزن الذي أصقل صفائحه بأهدابي؟ خير
لي أن أتوتر قوسا لسهم أحتار فيه من أين وكيف خير لي أن
أرسم خريطة أحشائي وأتنقل بين تخومها في هذيان أهندس
عماراته وأفرض عليها ضريبة المفاتيح
هكذا أطعم كائناتي خبزا آخر وأغير آداب المائدة وحين
يجلس الزمن إليها أعدل جلسته ماسحا كتفيه بحنان شيخ
يموت ثم أملأ الكؤوس بخمرة الفجيعة وأنادم الرفض
لي في تراب اليمن عرق م
أقدام حديد تسقف المكان
نساء ينقشن قبلاتهن على شفتي
عصر يتغطى بالإسمنت
ليس لذي يزن إلا أن يغالب أسوارا يحتضر وراءها الأسرى
وإلا أن يستطلع الدروب في آثار خطواتهم ليس له إلا أن
يكرر قراءاته لأبجدية الغبار
صنعاء نوافذ بلطف الطفولة ممرات كأنها الكتابة وبين
الخط والخط فواصل وحركات توشوش
للقناطر خيول وهذا القوس حاجبان وثمة أقمار تقفز من
أعالي البيوت ومن أطراف المآذن ينكسر شعاعها ويلتئم
غلائل وعباءات
وفي الأزقة المرصوفة بأسنان تاريخ شيخ كنت أتخيل وقع
قدمي مملوءا بأشباح لهن هيئة الكواكب.
حق العشرين بعشره يابلاش يابلاش يكرر طفل
نداءاته يسحب خيوط صوته بين سوق البز وسوق النحاس
فيما يرفع مرآته الصغيرة في اتجاه شمس تتسكع
بين الأرجل وفي أريج من البهارات تتشابك الأسواق أوردة
وشرايين في هذا الجسم الذي ليس من واقع ولا حلم.
صنعاء آخذك بين ذراعي
نمشي مع رجال يرفعون
النهار مظلة أحزان
مع نساء يحملن على أكتافهن
هموما بلون الزبيب
وليس لأقدامهن إلا شهوة
واحدة أن تقبلها الريح
قناديل وجامع أروى يتكىء على رياضيات سبأ
قناديل انطفأت ولها شرارة الوحي
أقرأ أسرارها متنا متنا
وأرجىء الهوامش والتفاصيل
ثمة عصف ما وأسألك
أيتها القناديل أين الساهرون ومن يمسك بالزناد؟
أول السوق مهلا ليس هذا ماء بل دم ليس هذا جدارا بل
العمود الفقري لرجل قال مرة كلا
آخر السوق امرأة كوكب آبنوسي يسبح في أثير التنهدات
ألن نلتقي بعد؟
تركت الليل ينام على عتبة بيتها فيما كانت نجمة تتهيأ لكي
تقتحم غرفتي وتقرأ جسدها علي
وكانت الأسواق تهدر وتتموج فيما كنت أستعيد
قول الهمداني
لا تلحق بحسناء صنعاء امرأة من العالم.
أتحدث مع صنعاء وأتجول في عدن
صيادون يرسمون ظلالهم على البحر
حضر وبداة يستنطقون
جسد المادة ويرجون ذاكرة الشواطىء
تنفر أحلامهم أحصنة تصهل
فرس شهوة
شعاعك أيها التاريخ وقشرتك تعاكس شهواتنا
لكن سلاحك صدأ ونحن صوان الرغبات
نختارك أيها الصوان بين ملك الصحراء بك
تسمينا انشقاقا بك فككنا بك تماسكنا والتحمنا
وأنت فينا شقيق للماء الصوان ماء جامد الماء
صوان سائل
أقول عدن وصنعاء وأضمر هذا المركب المهد
... نحن آسيا وأفريقيا مغسولتين بماء المستقبل
مكسوتين بسعف البدايات ولسنا من عصر
المعدن بل من عصر الإنسان
أقول عدن وصنعاء وأعني هذا المركب المهد
كيف لغمدان أن يظل شابا منذ آلاف السنوات؟
كيف أجيب وأنا حصنت غمدان بمبهمات؟
إكليل الهمداني
صنعاء من هنيهة رأيتك في صورة والآن
تتحولين أنت الثوب يفتق ويرتق برفة الهدب وما
أغرب الخليط الذي ينسج هذه اللحظة
سوق الحرير
امرأة من جن سبأ
ثوبها تعريش بطر وتخريم
شهوات حافية وكماها طائران
لوح أبكار النساء كإناث الخيل
لا يسمحن إلا عن صهيل
ومغالبة بلقيس
سوق الحب
نقش هذا العالم لا يحلو في عيني
وما لا يحلو في العين لا يحلو في الفم.
سوق الذهب
لوح كل قريب شاسع
نقش يزهد العاقل كأنه الموت
ويعمل كأنه الأبد.
سوق الفضة
نقش يوقن الصائغ ليصلح نفسه
ويتقن ليصلح الدنيا.
سوق القات
رقعة تدرك يداي ما لا تراه عيناي.
سوق العطارة
رقعة يذهب عني ما أريد ويأتيني ما لا أريد
سوق الزبيب
نقش أنا راعي الحي فإذا سكرت ضاع.
سوق الحناء
لوح ما لون الرب؟ بلقيس
لي في تراب اليمن عرق م
أهبط معها إلى البدايات كي أحسن اكتشاف ما
يأتي
شقائق نعمان
سلال عنب تنهض من أسرة التلال
نهدان يستعجلان القطاف
ووراءهما يتفتت فخار الأزمنة
شكرا للحياة وليلها
المزدوج شكرا لحكمة صوان يستوهم أنه
صديقي
وأنت حاذري أن تبتردي أغطيك يا أسراري
صنعاء حقا تقلني
الريح أتعلم منطق الطير ومنطق كل شيء
تسير معي الجبال وتجلس ورائي الجن.
اهبط أيها الشاعر إلى الكثيب
الأحمر في أسفل وادي الأحقاف واسأل
قبر هود من أنت ومن أين؟
إيل علي
أقسم بهذا الوادي كنت أستطيع متوكلا على
امرىء القيس أن أتسلق الفضاء وأن أخترقه
ولست ساحرا ولا أدعي النبوة.
كانت أطرافي قد امتلأت بليل حضرموت
وازينت حواسي
وكنت استيقنت أن الليل فيها ليس مغيبا
للشمس وأن السماء فوقها ليست قبة الأرض بل
ثوبها الذي يلتصق بجسدها
يا للجسد هادرا بنشيد البدايات
لا تتسع لخطواته ساحة الوقت
يا للجسد موجا يزحزح شطآن التاريخ
إنها النجوم تهبط إلي
وها أنا أتشرد معه
يحرسني التراب نفسه
وسلاحه الخط المسند والنقوش والتماثيل
وفي كل ناحية من كندة يدندن امرؤ القيس
شفتاك فاطم عسل دوعن
نهداك تمر مديني
وظني أن هذا المدى الذي ينسجه المدر قد فهم
طينتي
وأنت يا فاطم سأسميك في هذا الوادي
باسم تجهله الشفاه
وأنت يا جسدي سأكتب بالخط المسند رسائل
شوقك إلى المعنى.
اهبط أيها الشاعر
الفضاء بيت تسقفه أحلام النساء
والقمر يتسلق الجدران
ويوصوص من النوافد
وها هي الأزقة والحقول تسهر كمثل الكتب التي
تختصر الطبيعة.
سيؤون تريم شيبام
أبواق من عالم آخر تصدح تحية للعناصر
الأيام تنزل على سلالمها كمثل الأطفال
ومنذ أن تصل الشمس إليه
تجلس على عتباتها وتتنهد كأنها لا تريد
أن تنهض
اهبط أيها الشاعر
أظن أن ذاكرتي تسيل في وادي الأحقاف
أظن أن الزمن ينكسر بين يدي كمثل قضيب
يابس
أظن أن الجبال التي تظلل
أحمد بن عيسى المهاجر
جاءت تشاركناالدان في فندق سيؤون
ذلك المساء وترقص
في طرب شبه صوفي
أظن أنني قلت لا شك أنني سليل موسيقى
خرجت مرة
من حنجرة السماء ثم آثرت ألا تعود
أيتها الموسيقى
أهلا بك على هذه الأرض في دار هجرتنا
الدائمة.
والآن
جاءت الشفافية تحملني وتتعالى أقدر أن أتحول
أن أتماهى ومثلما كنت الطيع أقدر الآن أن أكون
الآمر أقول لكل طينة كوني صورة لكل صورة
تكوني أعطي للأشياء حركاتي وأهوائي
يمتلىء كل شيء بضياء هذه الخليقة وأكون قد
عريت الزمن
رميت ثيابه الحجازية في خزانة بلقيس
ونثرت أيامه النجدية في مأرب وما حولها
وأكون قد أجريت عليه ماء تكوين آخر
وكسوته بأنفاس لغة ثانية
هكذا أتكلم بطريقة تجسد
أصدقائي شعراء الجاهلية أقصد شعراء
البصيرة والهيام والرغبة أقول لكلماتي أن
تنتشي في مكانها بين شفتي وهذا الضوء الذي
يجيئها من أشياء الواقع أغريها بالسفر في
وحشية سقوط ليس إلا صعودا آخر
حيث نرى للرغبة جسدا يولد في الجسد
حيث نقدر وراء كل حجاب أن نحيي امرؤ
القيس
ونستشف عمر بن أبي ربيعة
وحيث نسمع الحجر والماء يتحدثان دائما عن
يوسف وامرأة العزيز
سلاما حضرموت
أيتها العينان السوداوان في هذا الرأس الأزرق
الذي سمي السماء
أيتها المرأة التي تغتسل بعسل دوعن
حزامها بحر العرب
وخلخالها الموج.
... إنها ساعة المقيل أربط مخيلتي بتلك
الخضرة وأخلي جسمي من دبيب الهواجس
ماذ؟ في قراراتي وخز
ناس يأكل بعضهم بعضا ثمن الرأس منديل ولا
شيء إلا السلاح والصياح
هل أجيء من داء لا يشفى؟
وخيل إلي أنني أسمع صوتا يلفظه قيء
الصحراء يتحدث عن قمر صناعي استقال من
الجاذبية عن مستوصفات للنساء
الآليات عن فنادق للكلاب وأعراس للقطط
وتراءت لي جذوع بشرية مبتورة تلتئم حولي تارة
وتتمزق تارة في أحشائي وكنت كمن يسبح في
شرق تثقبه بحيرات الدم وشبه لي أنني في
مهرجان أعناق تحتفل بذبحها دون أن تدري
وتمتمت أن تكتب هو أن تهرب الكلام
لن تغريني أيها الملاك والشيطان أعقل من أن
يوسوس إلي عيناي تفران إلى الأمام
وقدماي نشوة ورقص الإيقاع الإيقاع
ولنرقص فوق رماد هذه الأزمنة
هكذا ذهبت مع ظني الجميل
فجأة رأيتني
أستسلم لألق لحظة تنضح برائحة عود يؤاخي
بين النسيان والذكرى وأصغي إلى حكيم يملي
كل لن تجد الطبيعة زهورا جديدة إلا في
جراحنا كلا لن يحظى تاريخنا بنبضه إلا
في منفانا.
وحسبت أن آسيا العجوز تجلس في رواق أروى
والفصول تتبادل قمصانها بين ذي يزن وعشتار.
... إنها ساعة المقيل
أيتها الإيقاعات الطالعة من الأوائل أمتزج بك
وأضيف بصيرتي إليك أترك لأوتاري أن تصهرك
طينة ثانية ومن هذا الرواق الذي نرعاه أصدقائي
وأنا نكتب لتلك الجهة المطموسة من عروبة القلب
لأولئك المسحوقين يموتون وهم يتقاسمون الرغيف
لأولئك التائهين يسقطون وهم يتشبثون بالأعالي
يشاركون الحقول كآبة الجدب ويصادقون الهواء
لأولئك المنبوذين ينتعلون الأودية ويلتحفون الجبال
... إنها ساعة المقيل
تنهض في قصائدنا أبواب وشرفات نكتشف
زوايا من جسد صنعاء لا تزال عصية على
الصور نسمع كلمات في حنجرة عدن لا
شواطىء لها
بلاد ناقة ترعى أعشاب الفقه
الصحراء تابوت يتنقل على رؤوسنا واللغة ببغاء
في قفص الرعب
كيف نخترق هذا الربع الخالي؟ أين لقمان
وحكمته؟ هل علينا أن نجدل شعر السماء أعنة
لخيولن؟ أن نصرخ بالنجوم مدي أيديك إلين؟
هل علينا أن نشق القمر؟
من أين لنملة أن تغري نسر؟
نناضل كمن يقاتل الغبار كمن يكتب أبجدية الرمل
كمن يرضع ثدي الحجر
ألوطن فرن يطبخ فيه من يجيء لإيلاف من يروح
ليت السماء تمر
إذن كنا أكلناه واسترحنا
ما أنت ومن أيتها الشجرة؟
ربما كنت حبل سرة بين رحم اليأس وسرير
الغبطة ربما كنت لغة يلوذ بها الحي في حواره
مع الميت ربما كنت لونا يوحد بين قوس قزح
وقوس الأيام ربما كنت إكسيرا
يترك لكل شيء أن يسبح في شعره الخاص
إذن ما شكواك أيها القات الصامت؟
... أن صديقي الوقت أقل اخضرارا مني
هكذا نستنبت قاتا آخر لا من الأرض
لا من النبات بل من الصبوة وانفجاراته
نشوة حين تأسرك العاصفة استسلم
لكن كن الوتر الذي يعزف الريح
حكمة الغبار حكمة اليد والعتبة غريزة القدم.
أمثولة أرضعت الشمس عدنا ونسجت لها
غلائل لا تخرقها أظافر الدهر.
شطحة النجوم في صنعاء قطيع
والقمر راع يتوكأ على عصاه وراء سياج
الفضاء.
مكاشفة لكي لا تتعثر في طريقك أو تسقط
قل لقلبك أن يترجل ويمشي أمامك
لي في تراب اليمن عرق ما
من أجل شوارع ترتسم شامات في وجه النهار
من أجل ليل يلبس النجوم قلائد وأقراطا
من أجل أراغن تضحك وتبكي في سريرة كل شيء
من أجل غرابة تهيمن على أحشائي
من أجل أيد تنسج البكاء خياما للحلم
من أجل مجهول أنغرس فيه وتنغرس أرومة الخلق
أقول في تراب اليمن
لي عرق م
وأنتمي إليه
بلدا بلا عمر
كأنه وجه الله.
هكذا ننضج في خابية الزمن يكتب دمنا ما لا
تقدر أن تمحوه
أيدينا وكيف أكون المفرد وما أن إن لم ألبس
الشخوص كلهم إن لم أكن هذا الجمع؟ انظروا
إلى المشهد يتحرك فيه الخليفة والإمام القاضي
والفقيه المشرع والشرطي الأمير والجندي
أعني يتحرك المتمرد والمرتد الثائر والعاشق
الخارج والشاعر الصعلوك والفارس
وبين سورة القلب تتفطر شعرا
وسورة الذهن تتلألأ نظرا
أكتب وأعلن كتابتي غواية وأكرر لست
الجوهر لست النوع النقي أنا جواهر وأنواع
مزيج قمر وشمس في لحظة واحدة
وحين أضحك
أضحك لكي أنفصل بفرح عن الماضي ماركس
معلنا حقي في أن أكون متناقضا منطقي أكثر
شمولا من منطقكم الظاهري
وأنت أيها الطوفان يا صديقي تقدم
هكذا ننضج في خابية الزمن ونستنبت قاتا آخر
صنعاء الإنسان من حيث يوجد لامن حيث
يولد
عدن الإنسان من حيث يثبت لا من حيث ينبت
صنعاء الجسد ثقافة اللغة والحياة أن تعاشر الموت
عدن لماذا هي البداهة كيف هي المشكلة
صنعاء أضللك وأنا الهادي
عدن هل أشتم الفلك؟
صنعاء الصداقة رضاع ثان
عدن لا سلطان كل إنسان سلطان
موت أن تحيا بأفكار ماتت
الأفكار كلها لكي تموت من أجلك
وأنت أيها الطوفان يا صديقي تقدم
الأفق جائع وأنا في خليج عدن أخبز عرقي
أشجار المريمرة تئن وتكاد أن تجن وكيف تقدر
أن تتجنب الفؤوس التي تخرج من نعيق الغربان؟
أسند جسمي على الغروب أوحد بين مشاعري
ولعب الموج أقول للرمل الذي يشرب الملح ولا
يرتوي من أين لك أيها الضامر هذه المعدة؟
يا صدري يا صدرا بآلاف الطبقات اكتنز
بهذا النسيم الذي يهب في أحضان الخليج
العدني
لوح لتلك المراكب غير المرئية التي تعمر أفق الماء
وأوسع في أنحائك المرافىء
أصغ لشمس عدن توشوش الخليج وهي تغتسل
برطوبة المساء
وانظر لهذا النورس كيف يحمل على كتفيه عبء
الشواطئ
حق لكي تدخل في إيقاع اليمن
ينبغي أن تعرف كيف يغني البكاء الضحك
وكيف ينام القمر والشمس على مخدة واحدة
ينبغي أن تعرف كيف تكون في اللحظة نفسها
النهار والليل
وكيف يتحول الغبار في خطواتك إلى صياد
للوقت
ينبغي أن تعرف كيف يكسر الحجر كما يكسر
الجوز.
... أرض تكتب أعاجيبها بحبر المادة البحر
فيها يخرج من الصدور والأيدي النجوم تطلع
من البيوت
سمع
ما الذي يقوله هذا الحزام الفضي لخصر هذه
المرأة؟
ما هذه الشمس التي تنزلق خفية في ملاءة هذه
المرأة؟
ما هذه الأصوات التي تتحول إلى قبل ترتسم
هالات هالات حول جسد هذه المرأة؟
كل لم يصل أحد إلى ذلك النهار الذي يعرف
وحده كيف يلبس ليل هذه المرأة.
نفهم الآن كيف تستند امرأة يمانية إلى دموعها
فيما تمسح الغبار عن وجه الأفق وكيف تلقي
التاريخ على كتفيها كمنديل أخضر نعرف الآن
كيف تزف عرائس البحر إلى رؤوس الجبال
نعرف اللقاح الذي يوحد ويعدد نعرف كيف
يعمل الجبل لكي يصبح سماء وكيف تعمل
السماء لكي تصبح شجرة
نقدر الآن أن نسمي الذاكرة سفينة وأن نقول
الليل نبع والنهار إبريق ونزعم أن التاريخ كثيرا
ما يأخذ هيئة شاعر ضيف يأسره الغناء اليماني
إنها المادة نفسها تطلق أفراس المخيلة في
الجهات الخفية من كوكب الحياة أسمع
أجراسا تتدلى من أعناق الأشياء أكتشف
الأسماء المرقومة في كتاب
المجرة أرى الفضاء عتبة لرأس يبحث عن وسادة
في مجهول م
ولست أتحدث عن الغيب أتحدث عن هذا الكون
الصغير الإنسان وعن شهوته لكي يحتضن
الكون الكبير ويلبس اللانهاية
إذن من إشعاع البشر ومن مراكب الظن آخذ
هذه الحكمة ليس الإنسان هو الذي
ينوء بل الطريق وسوف نتلألأ في هذا الكسوف
العربي
نفتتح طريقا آخر
ونطلع شمسنا الثانية
اللحظات تزدهر ضد الصحراء والأشياء انفجار
ضوئي
الجسد أكبر من مكانه والعين أوسع من
فضائه
نصغي لكي تقولنا موجة أو يبثنا السحر ندى
فوق مخمل الأرض أو يحملنا الصباح ماء
وخبزا ومن يسأل الوردة ماذا يقول
عطرك أيتها الشاعرة؟ هكذا لن يسألك أحد ماذا
تقول أيها الشاعر؟
وبين العربي الذي يلتهمه الغرب والعربي الذي
يلتهمه العرب سيكون مكان لتاريخ آخر
أنظروا إنها السهول تتدثر بغبار الطلع
إنها البراعم تدخل في أعراس اللقاح
بلى لا تزال هناك جنات مونتيرلان
... أنغمس في نواياي وأهيىء حروبي
منحدر التاريخ ينعكس أعطي نشوة الحلم
لبصيرة العمل أغترب لأعرف نفسي أهجن
الأصالة أن تبدع هو أن تهجن وأسأل من قال
العين هي وحدها البصر؟ من قال اللسان هو
وحده الكلام؟ من قال اليد لا تفكر؟
وأقول الجسد إملائي وشرعي التحولات
إفتحي صدرك يا مليكتي..
... إذن في انفجار التحول تبدو الحياة استعارة
والحقيقة مجازا
إذن أشبه غمدان بالنهار وبلقيس بالليل وأنا
بينهما الهديل .
قصيدة العباءة
في بيتنا عباءة
فصلها عمر أبي
خيطها بالتعب.
تقول لي كنت على حصيره
كالغصن المنجرد
وكنت في ضميره
غد الغد.
في بيتنا عباءة
مرمية مبعثره
تشدني لسقفه
لطينه للحجره
ألمح في ثقوبها
ذراعه المحتضنه
وقلبه ولهفة في قلبه مستوطنه
تحرسني تلفني تملأ دربي أدعيه
تتركني شبابة وغابة وأغنيه .
قصيدة لغة للمسافة
أمس تحت المحاجر سافرت تحت الغبار
فسمعت صدانا
وسمعت انهيار الحدود
ورجعت وقيل نسيت هنالك
من دهشة خطواتي
خطواتي؟ بلى وكأني أراها
حرة تتنقل بين الشرايين بين الرئات
وتطوف الحنايا وتنقاد
مذهولة أو تحار
في ثنايا الخواصر في الجلد
في هوة لا تراها
وكأني أراها
بعد هذا تعود.
ستمر ولن تلمحو خطواتي
بيننا لغة للمسافة يجهل ألفاظها سوانا .
قصيدة العهد الجديد
يجهل أن يتكلم هذا الكلام
يجهل صوت البراري
إنه كاهن حجري النعاس
إنه مثقل باللغات البعيده.
هوذا يتقدم تحت الركام
في مناخ الحروف الجديده
مانحا شعره للرياح الكئيبه
خشنا ساحرا كالنحاس.
إنه لغة تتموج بين الصواري
إنه فارس الكلمات الغريبه .











