هو خليل بن عبده بن يوسف مطران ولد في في بعلبك بلبنان عام 1949م شاعر لبناني مصري شهير ولقب بشاعر القطرين تميز أسلوبه الشعري بالصدق الوجداني والأصالة والرنة الموسيقية اشاد به العددي من ادباء عصره فقد عبر طه حسين عن رأيه في شعر مطران وهو يخاطبه قائلا إنك زعيم الشعر العربي المعاصر وأستاذ الشعراء العرب المعاصرين وأنت حميت وفيما يلي اجمل قصائد خليل مطران
قصيدة أسينا عليك وحق الأسى
أسينا عليك وحق الأسى
فما لك واحربا من خلف
مكانك ما شئته أن يكون
وقدرك يقدره من عرف
وتلك الشمائل لم يؤتهن
قبلك إلا أجل سلف
دهتك صروف الزمان دراكا
فكانت رماة وكنت الهدف
تشنع في رميها والنهى
تصونك عن شنعة تقترف
من الناس من لا يطيق الخطوب
فيسقط من تلف في تلف
ومنهم كرام إذا محصوا
سما طبعهم وتنقى وعف
كما عشت حتى انتبذت الحياة
كريم الإقامة والمنصرف
صفا بضميرك ما شابه
من الغمر حتى أنار وشف
فعاف القلى لألد العدى
وجاوز في البر حد الشفف
وخلى نثاك ثناء عليك
وحلى أحاديثه بالطرف
أملحم جزت كفاح الصعاب
بغير تباه وغير صلف
وقد بت أجدر ألا تسر
بهذا الوداع وهذا السخف
سوى أنها سنة في كرام
الرجال بها يتأسى الخلف
وقد تستعاد بها خلة
مجددة من لقاء سلف
مثالك في الحفل ملء العيون
كأن الزمان بنا قد وقف
تكلم تكلم ألست قريبا
لأنت بعيد ويا للأسف
قصيدة أرأيت في أثر الغمام الوادق
أرأيت في أثر الغمام الوادق
جري العيون بدمعهن الدافق
هي ديمة خرساء ألقت درها
وكأن ما ألقته حمر صواعق
لم ينأ عن مرمى لظاها ناطق
بالضاد بين مغارب ومشارق
ماذا جناه ولم يكن متوقعا
قدر تغير في قصار دقائق
فجع الكنانة بابنها وبسيفها
وبرأيها في الموقف المتضايق
هيهات تهجع والخطوب حيالها
يقظى تقوض كل رأس شاهق
وتلج في حصد الشباب وما بها
رفق بمحتلم ولا بمراهق
فتيانها هم ذخرها وعتادها
وأشعة الصبح الجديد الشارق
أتظل كالأم الثكول مروعة
ببوائق تنقض إثر بوائق
حسنين إن يبعد فليس مفارقا
ما كل غائب صورة بمفارق
أنى افتقدت وجدت في آثاره
ذكرى تضوع كالأريج العابق
علم وتقوى يؤتيان جناهما
حلوا على قدر المنى للذائق
أدب كما يهواه أرباب الحجى
وفصاحة ليست بذات شقاشق
جود بلا من يكدر صفوه
والمن يكره لو أتى من رازق
بأس وما أحلاه في متكرم
عن لوثة المتصلف المتحامق
وصلابة تهوى لما ازدانت به
من ناعمات في الخلال رقائق
طلب المعالي في اقتبال شبابه
وأتى الفري بمبدعات طرائق
بالرأي أو بالبأس أو بكليهما
يدني البعيد ولا يعاق بعائق
في كل شوط للمهارة والحجى
يشأو الرفاق وما له من لاحق
ألسيف أشرف لهوه وأحبه
والسيف لا يأبى مرانة حاذق
يعتده حيث الزمان مسالم
ليكف من غرب الزمان الحالق
هو إلفه وحليفه لكنه
للزهو لم ينط النجاد بعاتق
جاب الصحارى الموحشات يروعها
من ذلك الإنسي أول طارق
يرتادها بذكائه ودهائه
وكأنه يرتادها بفيالق
فأصاب باستكشافه واحاتها
فتحا عزيزا خلد اسم السابق
ورمى العنان بذات أجنحة على
كره تذل لقائد أو سائق
تقع القشاعم دونها وتمر في
هوج العواصف كالشهاب المارق
أيخافها وهو المراغم للردى
حتى يوافيه بحيلة سارق
بين الثقافة والرياضة لم يزل
في سيره المتخالف المتوافق
حتى إذا رمقته عين مليكه
لشمائل اكتملت به وخلائق
أدناه مختصا به فوفى له
بفؤاد شهم لا لسان مماذق
مستمسكا بولائه متجشما
عنتا ولم يك ذرعه بالضائق
ويلي المناصب لم يكابد دونها
حرق المشوق ولا هوان العاشق
يقضي حقوقا للبلاد وأهلها
منها ولا يقضي لبانة عالق
ويزيد مرهقة الفروض نوافلا
من سد خلات ونفع خلائق
في المعضلات يرى بثاقب رأيه
ما غيبته من وجوه حقائق
فيسير لا حذرا ولا مترددا
ويبث بث المطمئن الواثق
هل يستوي متطلع من مستوى
لا أفق فيه وناظر من حالق
ما اسطاع يصطنع الجميل ولم يرق
في عينه غير الأنيق الرائق
ورعى الأولى قدروا الجمال فبرزوا
بفنونهم من صامت أو ناطق
فبجاهه وبنصحه وببره
نصر النفيس على الخسيس النافق
ورعى رياضات تنشيء فتية
سمحاء أخلاق حماة حقائق
أللهو ظاهرها وفي توجيهها
كم من منافع للحمى ومرافق
ماذا أرانا في رفيع مقامه
من كل معنى في الرجولة شائق
حتى قضى الأيام لا يلقى بها
إلا تجلة مكبر أو وامق
تجلو القلادة صورة في جيده
لفضائل كجمانها المتناسق
هذا فقيد مليكه وبلاده
وشهيد إخلاص الوفي الصادق
يا وافدين ليشهدوا تأبينه
من أولياء وأصفياء أصادق
ومن الشباب الصيد في الفرق التي
عنها ضحا ظل اللواء الخافق
أتعاد بالذكرى مآثره وما
يحصين بين جلائل ودقائق
من مسعد الخطباء والشعراء أن
يرقوا إليها بالثناء اللائق
في الشرق آفاق ترددها فما
جدران دار أو ستور سرادق
فاروق يا فخرا لأمته إذا
عد الملوك من الطراز الفائق
دم سالما وفداك أهدى رائد
وأبر مؤتمن وخير مرافق
ما كان أفدح رزءه بنواه عن
مولاه لو لم يلق وجه الخالق
قصيدة أحسنت شكرك للذي أعطاكا
أحسنت شكرك للذي أعطاكا
قام الأساس ولم يقم لولاكا
دار الشفاء هي الثناء على الذي
لسلامة المستضعفين شفاكا
الله بالنيات أعلم وهو قد
بدى محاسنهن حين بلاكا
آتاك خيرا بالمحصنة التي
كانت بقربك حافظا وملاكا
وأراك من حب الأنام وعطفهم
ما عز يوما أن يراه سواكا
فشكرت للمولى يدا أولاكها
وتنافست فيما بذلت يداكا
وبنيت بالإحسان فوق الأرض ما
أرضى السماء وقرب الأفلاكا
كم أسرة أدركتها وكفلتها
ومبرة أحييتها بجداكا
لم أدر أن عزيز قوم مسه
ضر ولم تسعفه حين رجاكا
بالمال كان غناك إذ أثلته
واليوم بالحمد العميم غناكا
ليس الندى سرفا إذا ما كان في
مثل الذي صرفت فيه نداكا
كم دون إدراك الذي تسخو به
كابدت تذليل الصعاب دراكا
جبت الموامي والصحارى طالبا
ما تبتغيه وما ادخرت قواكا
ما إن تكل ولا تمل مكافحا
حتى تحقق بالكفاح مناكا
هل يبلغ الأخطار إلا مخطر
جاز السبيل وقد تكون هلاكا
في كل ما زاولت من عمل بدا
لك سره وخطا النجاح خطاكا
ما تنثني متيقظا ومعالجا
علل الجنى حتى يصح جناكا
لا فرق بين دقيقة وجليلة
مما بأحوال الحياة عناكا
ولقد تلاحظ في مراسك جفوة
فيقال ذو بأس وأنت كذاكا
البأس شيمة ذي المضاء وإنه
ليعيب لو عاناه غير عداكا
إني خبرت صداقة بك حلوة
ووردت أصفى مورد بهواكا
وفهمت ما معنى الإخاء حقيقة
لما فهمت حقيقة معناكا
معنى المروءة في الهمام وحسنه
حسن الفريدة في نظام حلاكا
شرفا لويس فإن قومك بلغوا
ما يبتغون من العلى بعلاكا
مجدت في الأقوام ذكراهم فلا
عجب إذا ما خلدوا ذكراكا
فاسلم على الأيام وليك كل من
حبس الحطام عن الزكاة فداكا
قصيدة أخي أني لفي شوق إليك
أخي أني لفي شوق إليك
فكيف أحوالك
وما بالك لا تسمعنا
صوتك ما بالك
يقال الشعر في النادي
ولا تسمع أقوالك
صديقي أين آلامك
تشجينا وآمالك
وأسحارك ما خطب
شواديها وآصالك
وما شغلك عن فن
سبتنا فيه أشغالك
أكرسيك في الدولة أم
جاهك أم مالك
فإن أرضاك هذا الترك
عش والعز سربالك
قصيدة أبكي الوفاء غداة أبكيكا
أبكي الوفاء غداة أبكيكا
أبكي المروءة والندى فيكا
ما طال بي أجلي سيوحشني
أنس المعاهد بعد ناديكا
ليث الشرى أتبيت من ألم
تشكو ومجدك ليس يشكيكا
غوث اللهيف ألا تجار وقد
غل الضنى من بأس أيديكا
لو أن شكر البائسين له
فعل الدواء لكان يشفيكا
أو أن للشرف الرفيع يدا
عند القضاء لكان يفديكا
بمحمد يبقى السلو لنا
وتعيش خالدة معاليكا
الحازم المرموق منزله
في القوم يسبقهم ويقفوكا
يا نائحا في الليل حسبك أن
رضي الوفاء ورق عاديكا
شمس الضحى حالت أشعتها
لما تراءت في مراثيكا
ترك القرين الحر منزله
والعهد باق ليس متروكا
ولو أن رب الخلد يأذنه
عاف الملائك راغبا فيكا
قصيدة أنت مصر تستعطي بأعينها النجل
أتت مصر تستعطي بأعينها النجل
وعرض جمال لا يقاس إلى مثل
غريبة هذي الدار بادية الذل
جلت طفلة عن موطن ناضب قحل
فلاخية ما درها ثدي أمها
سوى ضعفها البادي عليها وهمها
ولم تتناول من أبيها سوى اسمها
وما أحرزت من أهلها غير يتمها
فكانت كنامي الغرس يزكو وينضر
ومطعمه طين ومسقاه أكدر
يحيط بها دوحان شيخ معمر
وأم عجوز القشر واللب أخضر
فمن صبحها تسعى لجني ومكتدى
وفي ليلها تقضي الذي يبتغى غدا
كما كان عبد الرق جنحا ومغتدى
يواصل مسعاه ليخدم سيدا
قضت هكذا بين الأسى والمتاعب
صباها ولما تغد بين الكواعب
فصحت كنبت الطود بين المعاطب
ومدت إلى حيث الثرى غير ناضب
فيا لقوى التمكين في جسم سالم
يقاومن دون العمر كل مقاوم
يجاذبن بالأوراق در الغمائم
يهابطن بالأعراق ذر المناجم
يمر بها عهد الصبا والتدلل
على شظف في عيشها وتذلل
وكم جرعت من صبرها كأس حنظل
وكم نالها صرف من الدهر مبتلي
وكم ضاجع الجوع الأثيم بهاءها
فقبلها حتى أجف دماءها
وكم ساعف الحر المذيب شقاءها
وكم نازع البرد الشديد بقاءها
أنرن نهاها في اعتكار التجارب
بنيرانهن المحرقات الثواقب
صغن لها من فحم تلك الغياهب
ذكاء من الماس المضيء الجوانب
دعاها بليلى والدها لتنكرا
وهل كان صونا لاسمها أن يغيرا
على أنها كانت مثالا مصورا
تصور من ماء الجمال مقطرا
يسر بمرأى حسنها كل سابل
فينفحها من ماله غير باخل
وكم مدقع من شدة الفقر سائل
يرد يديه لا يفوز بنائل
تحن إلى الصقع الذي لم يبرها
وجرعها صاب الحياة ومرها
نأت ونأى أترابها عنه كرها
ولكن هي الأوطان نحمد ضرها
على أنه صقع شحيح الجداول
عقيم الثرى لكنه جد آهل
جديب خصيب بالبطون الحوامل
وما تقذف الأمواج في متن ساحل
يعد بنيه للتباريح والفنا
إذا لم يرودوا كل أفق من الدنى
فيتخذون التيه في الأرض موطنا
وهم كالدبى الغرثى نفوسا وأبطنا
فلا تنكر الأزواج بغي نسائها
ولا تكبر الزوجات خلع حيائها
وولد خلت آباؤها عن إبائها
تساوم في حسن الوجوه ومائها
كذا أدبت ليلى فطيما وعالها
ذووها ليضحوا بعد حين عيالها
فتطعمهم من خزيها ما جنى لها
وتكسوهم مما تعري جمالها
ولكن في نفس الصغير المساويا
يماثلن بالحسن الخصال الزواهيا
كأول نبت الحقل يجمل ناميا
ولا تفرق العين الغريب المضاهيا
فلم يك في ليلى سوى ما يحبب
بها من معانيها الجياد ويعجب
وكانت على الأيام تنمو وتعذب
كمثمرة الأغصان والصقع طيب
إلى أن غدت في أعين المتوسم
تنير كنور الشارق المتبسم
منعمة الأعطاف لا عن تنعم
متممة أوصافها لم تتمم
ضروب جمال لو رأتها أميرة
رأت كيف تعلوها فتاة حقيرة
وكيف حوت جاه الملوك فقيرة
مضورة مما تجوع جديرة
بهاء به يسمو على الجاه فقرها
وعري به يزري الجواهر نحرها
وثوب عتيق إن فشا منه سرها
أباح للنواظر صدرها
ورأس إذا ما زانه تاج شعرها
فأشرف من عرش غضاضة قدرها
وقد تشتريه ذات تاج بفخرها
وترضى به تاجا كريما لفقرها
وقال أبوها يوم تم شبابها
وحيك لها من نور فجر إهابها
أيا أم ليلى حسب ليلى عذابها
توفر مسعاها وقل اكتسابها
أراها أصح الآن حسما وأجملا
فحتام لا نجني جناها المؤملا
نمت ونمو الفقر يأتي معجلا
ولم أر في الإعسار كالحان موئلا
فقالت لها أم شديد دهاؤها
سخي مآقيها سريع بكاؤها
بنية هذي الحال أعضل داؤها
وأنت لنا دون الأنام دواؤها
فقالت أشيري يا أميمة إنني
لفاعلة ما شئته فأمرنني
وما تؤثريه أحترفه وأتقن
وكل الذي فيه رضاك يسرني
فقالت لها إنا نرى لك مهنة
تعيد علينا نقمة العيش منة
تكونين فيها للنواظر جنة
وللشاربين المستهامين فتنة
لخير لها يا أمها العدم والطوى
من السعد تهديه إليها يد الهوى
وأولى بها من أن تذال فتصفوا
معاناة هم ناصب يوهن القوى
كذلك ناجاها الضمير مؤنبا
ولكن جوع النفس فيها تغلبا
فرد إلى الصمت الضمير مخيبا
وألقى بتلك البنت في أول الصبا
فمر بها في حانة نفر أولو
مجون دعتهم بالرموز فأقبلوا
وحيوا فحيتهم وفيها تدلل
فقال فتى ما للمليحة تخجل
تسمين يا حسناء قالت تحببا
أنا اسمي ليلى هل ترى اسمي معجبا
فقال لئن أنشدته الصخر أطربا
برقة هذا الصوت أو راهبا صبا
وقال فتى ما شاء ربك أحكما
جمالك يا ليلى فجاء متمما
رأيت ولكن لا كثغرك مبسما
ولا مثل هذي العين تروي على ظما
فلما سقتهم قال نشوان يمزح
أتسقيننا روحا وجفنك يذبح
ومد يدا منهم فتى متوقح
إليها فجافت ثم صافت ليسمحوا
وقالت بتول فارقبوا الله واتقوا
ولكن أشار اللحظ أن لا تصدقوا
فأضحكهم هذا العفاف الملفق
وقال فتى شأن الرحيق يعتق
فتابعه ثان وقال تفننا
أما زلت بكرا بئسما الدير ههنا
ولكنها الأثمار تخلق للجنى
وإلا فغبن أن تطيب وتحسنا
وعقب مزاح بأدهى وأغرب
أأخبركم ما البكر في خير مذهب
هي الكأس فارشف ما تشاء وقلب
فإن هي لم تعطب فلست بمذنب
وكان رفيق منهم متألما
يرى آسفا ذاك الدعاب المذمما
وتلك الفتاة البكر خلقا مثلما
وعرضا غدا تثليمه متحتما
لئن جاز مس البكر أو ساغ لثمها
بلا حرج ما دام يؤمن ثلمها
فلم زهرة الروض التي هي رسمها
إذا ابتذلت جفت ولو صين كمها
أيا ليل هل تصفو وتطلع أنجما
لتقذى بأرجاس الورى أعين السما
ويا زمنا قالوا به الرق حرما
علام أبيح الطفل للجوع والظما
أصيبية جاؤوا المكان ليسهروا
وقد أجلسوها يسكرون وتسكر
فلما نفى اللب الشراب المخمر
تمادوا بها في غيهم وتهوروا
فهذا معاطيها وذاك مداعب
وهذا مداجيها وذاك مشاغب
وهذا مراضيها وذاك مغاضب
وهذا مباكيها وذاك ملاعب
يحاول كل أن يزيغ فؤادها
وكل يرجي أن يضل رشادها
يرومون منها أن تبيح وسادها
ويبغون طرا بغيها وفسادها
ذئاب تداجي نعجة لافتراسها
وترقب منها فرصة لاختلاسها
ولكنها ردتهم عن مساسها
تبالغ في تشويقهم باختباسها
فما هي منها في الطهارة رغبة
ولا هي من فقد البكارة رهبة
ولكنه علم لديها ودربة
كما أبواها أدباها وعصبة
تصيد لهى عشاقها باختيالها
وتبتز منها أمها فضل مالها
فتنفقه في روحها ودلالها
وتقني الحلى معتاضة عن جمالها
أعدلا يباهي عصرنا زمنا خلا
وقد عود الأطفال فيه التسولا
وسيمت به الأبكار سوما محللا
وباعت نساء ولدها واشترت حلى
على هذه الحال الشديد نكيرها
نما الحسن في ليلى ومات ضميرها
فجسم كمشكاة يعز نظيرها
بإتقانها لكن خبا الدهر نورها
فلما استوى شكلا ربيع الصبا بها
وشب عن الأكمام زهر شبابها
وأنكر زهوا ما مضى من عذابها
وما هي إلا دمنة لكن اكتسى
ثراها من النبت المزور ملبسا
ويسطع منها الطيب لكن مدنسا
وفي نورها تنمو الرذائل والأسى
تكامل فيها الحسن والمكر أجمعا
كأنهما صنوان قد ولدا معا
ودرهما ثدي لأم فأرضعا
وشبا بحجر واحد وترعرعا
فلو زرتها مملوءة النهد معصرا
لأبكاك ما ساءت خصالا ومخبرا
وسرك ما شاقت جمالا ومنظزا
وقلت أليلى هذه وبها أرى
نعم هي ليلى لكن الآن تكذب
ويكذب منها الحاجب المتحدب
ويكذب فيها قلبها المتقلب
ويكذب من بعد شذاها المطيب
وتكذب في ميلادها وولائها
وتكذب في ميعادها ورجائها
وزرقة عينيها وبرد صفائها
وحمرة خديها وورد حيائها
وتخلق زورا في المحاجر أدمعا
وتنشيء لونا للحياء مصنعا
وتنسج للتمويه في الوجه برقعا
وتبكي كما تفتر في لحظة معا
تخاطب كلا بالذي في ضميره
لما هي تدري من خفي أموره
وتعجبه في حزنه وسروره
وتصطاده لطفا بفخ غروره
حوى سيرا من كل ضرب فؤادها
بها يهتدي سبل الخداع رشادها
ويقوى على ضعف القلوب ودادها
فلا تنثني حتى يتم مرادها
يحدثها كل بأمر تجددا
ويفشي لها أسراره متوددا
وما يكشف البدر الظلام إذا بدا
كما تكشف الأسرار ليلى وما الصدى
وكم تصطبي ذا غرة لا يخالها
محصنة بكرا وذي الحال حالها
فيغويه فيها أنسها وابتذالها
ويسخو عليها ما يشاء احتيالها
أليس صفاء البكر في أول الصبا
كقطر الندى يحلى به زهر الربى
فإن يستحل ذاك الصفاء تلهبا
فلا عجب أن تحسب البكر ثيبا
وكم من سري مولع بالتعفف
سبت بالحياء الكاذب المتكلف
وداجت فصادت بالمقال الملطف
وبالتيه حيث التيه محض تزلف
إذا ما البغيات احتشمن ظواهرا
وجارين في آدابهن الحرائرا
وكن جميعا كالنجوم سوافرا
فأي حكيم يستبين السرائرا
على أنها لم ترض عن مستقرها
وكانت تناجيها أماني سرها
بأن تتولى عاجلا فك أسرها
فإن وفقت بإعلاء قدرها
وكان فتى طلق المحيا جميله
ولكنه نذل الفؤاد ذليله
يميل إليها وهي لا تستميله
فيزداد فيه غيظه وغليله
وكان كثيرا ما يود خطابها
فتصغي إليه وهي تحسو شرابها
فإن ملأت مما يقول وطابها
تولت وكان الصد عنه جوابها
وظل يوافي في المواعيد زائرا
فيحسوا الظلى جمرا ويروي النواظرا
يخالسها نيانها والسرائرا
لطيفا لما يبغي على الذل صابرا
فآلى لها يوما بأن يتأهلا
بها فأصاب الوعد منها المؤملا
فقالت كفاني خدمة وتبتلا
وذي نعمة أرقى بها سلم العلى
فأبدت له الإقبال بعد التبرم
ولكن أطالت خبره خوف مندم
فقالت لها النفس الطموع إلى كم
تظلان في مشق من الريب مؤلم
فلم أر أهوى من جميل وأطوعا
فؤادا ولا وجها أحب وأبدعا
فتى لك يهدي قلبه واسمه معا
فإن طال المطل منك تطلعا
فخامر ليلى الخوف ثم تحولا
إلى غيرة والغيرة انقلبت إلى
غرام فما تلوي على أحد ولا
تكاشف بالحب النزيه مؤملا
ومن نكد المخدوع أن زمانه
يسخر للخل المداجي أمانه
فإذ يرعوي المغرى ويلوي عنانه
يكون المداجي قد أذاه وخانه
أصم الهوى ليلى وأعمى ذكاءها
ورد عليها كيدها ودهاءها
فمن نفسها نالت وشيكا جزاءها
ومشقي الورى منها أنم شقاءها
وليلة أنس زارها من صحابها
فريق بغوا أن يكشفوا سر ما بها
فدار حديث بينهم في عتابها
لإعراضها عن صحبها وانقلابها
فخالتهم يهجونه لمارب
ويتهم محض النصح في فم ثالب
أتى يتهادى بين جيش معايب
ففارقت الحضار طرا وأقبلت
عليه وفي أحشائها غلة غلت
وفي وجنتيها حمرة كاللظى علت
فحيته بالبشر الطليق وأغفلت
أهذا الذي فيه الملام يريبها
وفي حبه سعد الحياة وطيبها
هم بغضاء والحبيب حبيبها
وهم بلهاء لا جميل خطيبها
وكان من الجلاس أشيب مغرم
تصبته عشقا وهو قد كاد يهرم
فقال إلى كم نحن نعطي وننعم
ليحظى بها قوم سوانا وينعموا
دعاها فجاءته تجيب تلمظا
فأنحى عليها بالملام وأغلظا
إلى أن جرت منها الشؤون تغيظا
فثار جميل يقذف السم واللظى
وبارزه حتى التراب تخضبا
ففاز على الشيخ الفتى متغلبا
وأشبعه ذلا لكي يتأدبا
وعلمه أين التصابي من الصبا
فلما رأت تلك الحمية سرت
وفرج عنها غيم حقد وحسرة
بل انكشفت غماؤها عن مسرة
ونادت جميلا يا ملاذي ونصرتي
وألقت عياء رأسها فوق صدره
فزان سواد الشعر أبيض نحره
مثالان قاما للشباب ونصره
وللحسن تجلو شمسه وجه بدره
فألوى عليها عاكفا متدانيا
يخاصر أملودا من القد واهيا
ويرشف من أجفانها الدمع جاريا
على ورد خد يخجل الورد زاهيا
كأن جميلا بارتشاف شؤونها
سقى وردة محرورة من عيونها
كأن الندى المنثور فوق جيبنها
مدامع فجر أفرغت في هتونها
وأوحى إليه المكر أن يتعجلا
ليدرك من ليلى المرام المؤملا
فإن أمهلت حتى تفيق وتعقلا
يظل بأيديها مقودا مذللا
فراغ بها في جنح أليل أهيم
كهم على صدر الوجود مخيم
إلى ربض قفر المسالك مظلم
معد ليؤتى فيه كل محرم
فطارت به نفس الفتاة تروعا
فراودها عن نفسها متضرعا
فعفت فمناها فزادت تمنعا
فأقسم إلا أن يموتا إذا معا
وبالغ في إغرائها مقسما لها
بأن فتاها من غد صار بعلها
ويرفعها شأنا ويكفل أهلها
ويجعل في أسمى الصروح محلها
وكان الدجى قد رق حتى تصدعا
وهب بشير الصبح يرتاد مطلعا
فما زال يجلو خافيا ومقنعا
إلى أن نضا أدنى الستور وقد وعى
دم كان سرا في البتول مقدسا
فلما أراقته ابتذالا تدنسا
أفي لحظة تغدو المصونة مومسا
وتضحي عروس البغي إكليلها الأسى
فما الكوكب الدري زل وأعتما
ولا الملك الهاوي طريدا ومن السما
بأعجل من ليلى سقوطا وأعظما
فلو رضيت بالموت بعلا وإنما
مضت سنة تصفو الليالي وتعذب
مرارا وليلى دائما تتعذب
صبور على جمر الغضا تتقلب
جفاها الأولى قدما إليها تقربوا
وكان جميل كالنساء له حلى
ويكسى جلابيب الحرير تبذلا
تسلفه ليلى جنى خزيها ولا
تضن عليه خوف أن يتحولا
فيأخذ مال السحت والعيب رشوة
ويسخو كما لو كان يملك ثروة
يشارك فيه والديها وإخوة
تعولهم أكلا ومأوى وكسوة
وكم سافل من مثله رقي الذرى
وتاه على القوم الكرام تكبرا
بمرتزق ياتيه من حيث لا يرى
كأن له كنزا خفيا عن الورى
أقام زمانا غير واف بوعده
وليلى ثبوت في صيانة عهده
وتهواه حتى في إساءة قصده
وتحمل منه المطل خشية بعده
مصائبها برأنها من خظائها
وحززنها من خبثها وريائها
عفا ربها عنها لصدق ولائها
وأخلصها حرقا بنار شقائها
فلما قضت من عدة الحمل أشهرا
شكت ألما يستنفد الصبر منكرا
وكانت على المألوف تشرب مسكرا
وتتعب حتى يطلع الفجر مسفرا
فقالت لمن تهوى أراني ضئيلة
فإن تفني مالي يكن لي وسيلة
لأشفى وإلا مت حبلى عليلة
ففرحها بالوعد إفكا وحيلة
وطال عليها يومها في التوقع
ومر زمان بعده في التوجع
وتصبح في يأس أليم مصدع
أيهتك عرض البكر وهو مخاتل
ويسرق ما تجنيه ما زلاء حامل
ويردي ابنه المسكين والعدل غافل
فوا خجلتا زان ولص وقاتل
وليل أشد الداء أيسر خطبه
بطيء كأن الموت فرجة كربه
تجنى على ليلى بأنواع حربه
ومد لها شوكا بأنوار شهبه
قصيدة أبسفك ماء المدمع الهطال
أبسفك ماء المدمع الهطال
يودى دم الشهداء والأبطال
وهل الوفاء يكون في تشييعنا
عظماءنا بمظاهر الإجلال
ما بال هذا الشرق يخلد واهما
أن الحياة بهارج ومجالي
أتراه يحسن شكر ما قد أورثوا
من مأثرات للبلاد غوالي
ويسير سير الغرب في تمجيدهم
فيكافيء الأعمال بالأعمال
يا بين أحمد قد فجعت الشرق في
رجل يفدى مثله برجال
أبلغته أجلا ولكن كم به
لمكارم الأخلاق من آجال
فرد بوشك نواه فرقت النوى
شملا جميعا من جياد خلال
جزعت عليه أمة وكأنها
أم الوحيد لشدة الإعوال
ما كاد يبقي الحشد من كبرائها
خلف الجنازة موقعا لظلال
زنوا برايتها السرير وعوذوا
ذاك الجلال بأنجم وهلال
لله أحمد من فقيد مكانة
قد كان فيها فاقد الأمثال
لم يوف سربال المحاماة امرؤء
إيفاءه ما حق للسربال
ماضي العزيمة ذو ذكاء باهر
متوافق النيات والأقوال
من قال موسوعات شرع جمعت
في ذات صدر لم يكن بمغالي
يزداد ما طال المدى تحصيله
ويكد في الأسحار والآصال
ويظل ملتمسا إنارة ذهنه
بهدى شموس أو بضوء ذبال
يأبى التعمل كاتبا أو خاطبا
ويحب في الإنشاء غير الحالي
يتجنب الزينات في ألفاظه
حذر الغموض وخشية الإملال
أو خوف أن تغشى الأدلة ريبة
من زخرف تبدو به وصقال
عركته عاركة الصروف فعزمه
متمكن كشوامخ الأجبال
راضته رائضة الخطوب فلم يكن
قرم يساجله غداة سجال
ما كان أصيده لأنفر مأرب
بالبطش وهو الرأي أو بختال
ما كان أقوى ضعفه بسكوته
حتى يصول به على الصوال
ما كان ألعبه براسخة النهى
فكأنهن على شفا منهال
روح كتلك الروح كيف تصورت
زمنا وإن هو قل في صلصال
ضاقت بها سعة الوجود وضمها
في شبه طيف جانبا تمثال
تمثال مجد لا ترى فيه سوى
رجل بلا تيه ولا إدلال
متقاصر ملأ العيون تجلة
ورمى بظل في القلوب طوال
يختال في الجسم الضئيل وقلما
كانت أولو الألباب غير ضئال
يعلو محياه ابتسام دائم
برئت معانيه من الإدغال
صحب الحياة وما بها لأخي النهى
ضحك يتم فظل في استهلال
عيناه لا يحكي وميض سناهما
إلا التألق في اشتباك نصال
ما نور مصباحين يجري منهما
بالكهرباءة مجريا سيال
وتراه أكثر ما تراه مطرقا
إطراق لا وجل ولا مختال
فيظل كالمغضي وليس بحاجب
عينيه ستر محكم الإسبال
للغنة الجاري عليها صوته
تأثير سحر في النفوس حلال
يرقى السماع بها وإن يك نبره
لا يرتقي مع فكره الوقال
من قوة بحجاه تكسب قوة
في النفس توغل أيما إيغال
وبها يبز منافسيه ظافرا
وبها يوامق راشدا ويقالي
يا خيبة الآمال في الدنيا ويا
غبن المساعي في دراك معالي
داء عرا فاندك طود شامخ
بأخف وقعا من دبيب نمال
مجد تولاه العفاء وقوة
قهارة سكنت مهيل رمال
أفضى الذكاء إلى صفيح هامد
وأوى المضاء إلى ضريح خالي
لكنما الكبراء في أقوامهم
سير وكل حديثهم ذو بال
فأذكر له حسن البلاء وقد دعا
داعي الولاء إلى جليل فعال
هل جاءكم نبأ بأمر معضل
راع الكنانة في سنين خوالي
لولا تيقظ أحمد وجهابذ
من ضربه أعيا على الحلال
يا ترعة البحرين فاجأت الحمى
بعظيمة شغلت عن الأشغال
سيان خطبك معربا أو معجما
باسم القناة دعيت أم بقنال
كوني على العهد العتيد وما بنا
من فيض مائك أن يفيض بمال
قد فرطت في حظنا آباؤنا
فالخلق عل ونحن غير نهال
باعوك بيع الغبن في سفه ولو
عقلوا لما باعوا هدى بضلال
وأبى علينا برنا بصغارنا
سبق الزمان ورهن الاستقبال
لقد اعتبرنا بالقديم وإننا
نخشى حساب الله والأطفال
خلدت على الأيام ذكرى رفقة
كنظام شهب أو كعقد لآلي
راضوا معادلة القناة وسددوا
أرقامهم كشبا القنا الميال
لم يؤثروا خيرا على ما أملوا
من رد كيد المدغل المحتال
أين الذي يقضي ولاة شؤونهم
مما به نقضي تفرد والي
فتحرك الشعب القديم سكونه
حتى لقد نعتوه بالمكسال
وبدت بوادر علمه بوجوده
وشعوره بجموده القتال
ظهرت حياة في البلاد جديدة
ملأت جوانبها بلا إمهال
قد كان أول باعثيها مصطفى
وتلا فريد وهو نعم التالي
واستن أحمد ذلك السنن الذي
عانى مصاعبه بغير كلال
ليتم في سبل العلى ما أبدأ
ويموت وهو بقية الأبدال
تلك الحياة على حداثة عهدها
قويت بها نزعات الاستقلال
وعلت شكاية راسف في قيده
من ألف وعد أعقبت بمطال
واستسمعت بعد الشوادي في ربى
مصر وفي الوادي ليوث دحال
فإذا الديار وما الديار كعهدها
وإذا كحد المنصل المتلالي
وإذا حجاب اليأس شق ودونه
أمل كحد المنصل المتلالي
وإذا الضعاف الوادعون تقحموا
مستصغرين عظائم الأهوال
لكن تصدى للزمان يعوقه
من خال نهضة مصر ضرب محال
قاس العتيد على العهيد لوهمه
أن الجمود بعيد الاستئصال
خطل قديم لم يدع في أمة
أن يرمي الآساد بالأشبال
من ذا يرد عن التقلب دهره
إن شاء وهو محول الأحوال
لا يوم كاليوم الذي فجعت به
مصر وقد فجئت بصرعة غالي
لكأن زندا واريا في صبحه
وصل الجنوب دويه بشمال
ألقت على الرجل العظيم بناره
يد مقدم لحياته بذال
من عصبة للتفديات تطوعت
وفدت عقيدتها بالاستبسال
ظنت حماة الحي قد غرتهم
أقسام حناثين فيه حلال
فرمت إلى إيقاظهم لكن رمت
بأشد قارعة من الزلزال
نظرت إلى رجل الحمى وقضت على
ذي العزة القعساء بالإعجال
فهوى به في كبرياء فخاره
وبزوغ دولته الشهاب الصالي
لم يجهل العادي عليه أنه
يودى به وأنقض غير مبالي
لو ظنه بالرأي بالغ أمره
لم يبغه بمقطع الأوصال
مستبقيا لبلاده ولقومه
عزمات ذاك المقول الفعال
أرأيت أحمد كيف هب مناضلا
في موقف ناب بكل نضال
وأتى عجائب في بديع دفاعه
لم يأتهن أواخر وأوالي
فلو القتيل من الخطيب بمسمع
لعفا ورأي المجد فيه عالي
وأبى قيام الخلف في آثاره
سوقا لبيع قديمة الأسمال
قد يضرب الحدث المفاجيء ضربه
بيد المدمر أو يد المغتال
فيبيت قوم والهموم بهامهم
ناءت كباهظة من الأثقال
لا صوت أنكر إذ تراجع أمة
تاريخها من صيحة الدلال
لكنه خلف عفت آثاره
بكياسة الأبرار في الأنجال
واذكر له ذودا مجيدا صادقا
بسنان ذاك المرقم العسال
ورمى لشكر صدرها بنبال
فتعاظمته جرأة العادي بلا
عذر وقدرته على الإبطال
وأهمه شأن امريء بمقامه
في الغرب يؤثر عنه كل مقال
أمعلم الناس الشجاعة يغتدي
في مصر وهو معلم الأوجال
ورئيس أوسع أمة حرية
يغري أباة الضيم بالإذلال
ألفيت أحمد لا يقر قراره
في يومه من شدة البلبال
يجري يراعته ببث رائع
أو يستتم بيانه بأمالي
يستنفر الأقلام بين خفيفة
للذب عن شرف الحمى وثقال
عجب تبجح ذلك الضيف الذي
أضحى تبجحه من الأمثال
أي صائد الليث الهصور بغابة
أترى وجدت هنا كناس غزال
ما مصر ما أحوالها ما قومها
يا من أقام بها ثلاث ليال
علمتها علم الفناء مداويا
ما صحة الأقوام بعد زوال
لا يقنص العبد الأسود تلهيا
دعه يواس جراحه ويوالي
أو فاقرع السوط الذي في صوته
إيقاظ غافله وبعث البالي
غوث اللهيف أبر في ميقاته
من وعده بغنى بعيد منال
وأشد خطب أن يمنى عاثر
بإقالة ويظل غير مقال
واذكر له تبريزه في فنه
بذكائه وبكده المتوالي
وبعزة في نفسه صانته عن
رتب يغر بها وعن أموال
لم يثنه دون القيام بواجب
بأس الملوك ولا ندى الأقيال
الدأب والإتقان حيث تلاقيا
يستنبتان المجد من إمحال
خلقان إن تكن الحمية ثالثا
لهما فقل في رفعة وجلال
ونقابة نيطت به أعباؤها
ناهيك بالتبعات من أحمال
أبدى بها ما شاء فضل نبوغه
وعلو همته بغير تعالى
ولمستعيري جاهه من نشئهم
عونا بقول مسعد أو نال
من علمه الفياض أو من روقه
لم يدخر شيئا عن السؤال
بحر من العرفان صفو ماؤه
عذب الموارد سائغ السلسال
يروي النفوس الظامئات فتشتفي
وسواه يظمئها بلمع الآل
أعظم به في كل عادية عدت
من أريحي للبلاد ثمال
يسخو لها بكثيره وقليله
جذلا ولا يشكو من الإقلال
ويجوز ما فرضت عليه نفسه
من نجدة وندى إلى الأنفال
وإذا وصفت فنونه في فضله
فاذكر أياديه على العمال
وقضاءه حاجاتهم ودفاعه
عن حقهم في وجه رأس المال
وجهاده من يستغل جهودهم
حسا ومعنى أجحف استغلال
فإذا وفى بفضول ما كسبوا له
عد الذي أدى من الإفضال
متجاهلا عقبى مطامعه ولا
عقبى كيوم قيامة الجهال
من أي ناب لا يطاق ومخلب
نجى الهمام فرائس الإهمال
وكفى إلى أمد سراحين الطوى
والضاري الشبعان شر قتال
متوخيا إنصافهم ومهيئا
لهم وللأبناء خير مآل
يعنى بولدهم الضعاف ليرتقوا
علما وآدابا وحسن خصال
حتى إذا شبوا تقاضوا حقهم
بهدى وما كانوا من الضلال
واذكر له فضل التعاون يقتفي
فيه طريق شقيقه المفضال
رأي به إفلاح مصر وعزها
نسجاه من بر على منوال
عمر إليه دعا وأحمد لم يدع
سعيا يسير به إلى الإكمال
فاليوم إذ بلغ التعاون ما نرى
في مصر من شأن ومن إقبال
فليذك في القوم الثناء عليهما
طيبا كما يذكو نسيم غوالي
واذكر ضروب كفاحه لبلاده
ما اسطاع في حل وفي ترحال
ما كاد حفل باحث في شأنها
ينأى على مقدامها الجوال
زار الحواضر في أربة أنسها
يسلي وذاك الصب ليس بسالي
لم تخل منه مقامة شرقية
في الغرب تعقدها هناك جوالي
وأظلله بلد جديد كلما
ضن القديم عليه بالإظلال
لحفاظها وتموت بالإغفال
ما الحق وهو اللسن غير نواطق
ما العلم وهو الكتب في أقفال
لا ننس عهد جنيف والإلف الذي
عادت طوالعه بخير توالي
إذ أوهن الأحزاب خلف أفرزت
فيها ضغائنه سموم صلال
ميثاق أحمد بشر المرضى على
يأس من الإبلال بالإبلال
وأبان للإبدال من حال إلى
حال أصح طرائق الإبدال
سعي سعاه بوحي أنقى فكرة
لشفاء داء في النفوس عضال
فبدت بوادر نفعه لكنها
مكثت ليالي كن غير طوال
وأجد هذا الحول إلفا بينهم
هو عود ذاك البدء من أحوال
عود تخلص شعب مصر بفضله
من موقف بين الشعوب مذال
شرفا لأحمد في طليعة من سعى
لنجاته والخطب في استفحال
يا مصر كم في سيرة الجيل الذي
يمضي هدى للواحق الأجيال
سيري وبشي للخطوب فإنما
تلك الخطوب نجائب الآمال
ماذا أعدد من مناقب أحمد
في الخطب ما فيه من الإذهال
تلك المناقب دون كل حقيقة
منها إذا وصفت أعز خيال
لا تستطيع يراعة تفصيلها
ولعلها تغيي على الإجمال
وأجلها تلك المفاداة التي
هي آية الإحسان والإجمال
ما موت أحمد حتف أنف إنه
للقتل في عقبى أشد نزال
لبى نداء ضميره لما دعا
داعي الحفاظ فجال أي مجال
تعتاقه الحمى ولا يلوي بها
هل عاقت الضرغام دون صيال
يا خير من حامى فكان لكل من
حامى بقدوته أجل مثال
جزت الفدى لما نهاك الطب أو
تردى فلم تمنحه أدنى بال
وأجبت إني لم أضن على الحمى
بدم الشباب فما الدماء بغالي
لا يكرث الرئبال أن يمنى وقد
منع العرين بصرعة الرئبال
كلا ولا النجم الذي فيه الهدى
للناس أن يرفض بالإشعال
ما راع قلبك في الغرانيق العلى
إلا كرام عرضوا لنكال
وقفوا بمقمرة الحتوف لشبهة
والعمر رهن إجابة وسؤال
فعمدت تنفي باليقين من النهى
ما دس من ريب لسان القالي
ورأى العدول الحق أبلج ما به
فند وتمت حيرة العذال
ناديت يا للعدل للبلد الذي
أمسى أعز بنيه في الأغلال
فأجاب دعوتك القضاء منزها
في الحكم عن خطل وعن إخلال
لم يخش إلا ربه في حكمه
ونبا بقيل للوشاة وقال
رد الأولى سجنوا بلا ذنب إلى
من ودعوا من أسرة وعيال
قد نيل من أقدامهم بعقالهم
أما النفوس فلم تنل بعقال
بجميل ما أبليت في إنقاذهم
قرت نواظر قومهم والآل
أحييتهم وقضيت ذاك هو الفدى
وهو النوال وراء كل نوال
فضل ختمت به حياتك مثبتا
في إثرها شفقا بديع جمال
إن لم توف الناس شكرك فليكن
لك خيره من ربك المتعالي
قصيدة أبيت الحمد من سنة
أبيت الحمد من سنة
طويناها ولم نخل
مضت ومضت حوادثها
إلى أخواتها الأول
بما ساءت فطال مدى
وما سرت ولم يطل
على عجل ونحسبها
لما ثقلت على مهل
تولت وهي جارفة
هبوط السيل من جبل
طغى ورمى مواقعه
بصخر القاع والوحل
تضافره على الويلا
ت ثرة عارض هطل
وبرق قادح ضرما
ليشعل كل مشتعل
ورعاد تطير له
نفوس الوحش من ذهل
أتي مبدل الأعلام
ما يحلل به يحل
فما روض سوى حصباء
أو قصر سوى طلل
خراب لا أنيس به
خلال الحزن والوجل
سوى ما افتر في دمن
من الأزهار للمقل
زهيرات نجت عجبا
من الآفات والعلل
فيا ستة أذاقتنا
مرارة خيبة الأمل
بعدت وأن حسبت على
ليالينا من الأجل
قصيدة أسعد بلبنان مشوقا أن يرى
أسعد بلبنان مشوقا أن يرى
جنات مصر تزوره والنيلا
ويقر ناظره برؤية راية
خضراء فيأت الإخاء نزيلا
سترى صداقته لمصر وأهلها
فترى الكثير هنا هناك قليلا
ود قديم في النفوس مؤصل
متواصل في القوم جيلا جيلا
آنست دارا كنت توحشها ولم
تتعارفا فاليوم تدرك سولا
لله أنت وقد حللت فلم تكن
إلا كخير الأقربين حلولا
وبذلك اللطف الذي خصت به
مصر أملت أبيها فأميلا
أللطف للسفراء خير موسط
وبه يسهل شأنهم تسهيلا
وبه يروض الصعب كل أخي حجى
فكأنه أسر العباد جميلا
هذا المقام ومصر نادبة له
أحرى مقام أن يكون جليلا
أعظم بمصر حرة قد جددت
غررا لسابق مجدها وحجولا
عزت بها أيامها الأخرى كما
عزت بها دول الحياة الأولى
عاشت وهل للشعب إلا حالة
يحيا عزيزا أو يموت ذليلا
فتول ميمونا ففي ذاك الحمى
تلقى من الوطن العزيز بديلا
مصر إلى جار كريم أرسلت
يكفيك فخرا أن تكون رسولا
قصيدة أبلغ بما أفرغت في تمثال
أبلغ بما أفرغت في تمثال
من مأرب غال ومعنى عال
فن بذلت له الحياة مثابرا
في حومة الآلام والآمال
وإذا تمنيت الحياة كبيرة
بلغتها بكبيرة الأعمال
ذاك النبوغ ولا تنال سعادة
ترضيه إلا من أعز منال
خذ بالعظيم من الأمور ولا يكن
لك في الهموم سوى هموم رجال
واجعل خيالك ساميا فلطالما
سمت الحقيقة بامتطاء خيال
ابعد مناك على الدوام فكلما
دان النجاح علت منى الأبطال
أخلى الخلائق من لذاذات النهى
من عاش في الدنيا بمقلب خال
ليس الذي أوتيت يا مختار من
عفو العطايا ذاك سهد ليال
في كل فن ليس إدراك المدى
للأدعياء وليس للجهال
كلا وليست في توخي راحة
قبل التمام مظنة لكمال
إني لأستحلي الفلاح فينجلي
لي عن مثابرة وغر فعال
مصر تحيي فيك ناشر مجدها
مجد الصناعة في الزمان الخالي
وهي التي ما زال أغلى إرثها
من خالد الألوان والأشكال
لبثت دهورا لا يجدد شعبها
رسما ولا يعنى برسم بال
حتى انبرى الإفرنج يبتعثون ما
دفنته من ذخر مدى أجيال
وبرزت تثأر للبلاد موفقا
فرددت فيها الحال غير الحال
أليوم إن سأل المنافر عصرنا
عما أجد ففيه رد سؤال
أليوم في مصر العزيزة إن يقل
ما فنها شيء سوى الأطلال
أليوم موضع زهوها وفخارها
بجميل ما صنعته كفك حال
صورت نهضتها فجاءت آية
تدعو إلى الإكبار والإجلال
يا حبذا مصر الفتاة وقد بدت
غيداء ذات حصافة وجمال
في جانب الرئبال قد ألقت يدا
أدماء ناعمة على الرئبال
بتلطف ورشاقة بتعفف
وطلاقة بتصون ودلال
فإذا أبو الهول الذي أخنت به
حقب العثار أقيل خير مقال
تمثال نهضة مصر أشرق جامعا
أسنى منى الأوطان في تمثال
ناهيك بالرمز العظيم وقد حوى
معنى الرقي وروح الاستقلال











