رياض الصالح الحسين ولد في درعا السورية عام 1954م شاعر سوري عانى كثيرا في حياته عاش حياه قاسية فقد اصيب بمرض الذي اودى به لفقدان النطق والسمع اشتهر بكاتبة القصيدة النثرية وبالشعر الوطني كانت حياته قصيرة جدا فقدا مات فر ريعان شبابه وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرون من عمره نتيجة لحبه لفتاة عراقيه حبا شديدا ولكنها صدمته مما جلعه ينعزل علن العالم في غرفته رافض الطعام والشراب حتى نقل الى المستشفي وفارق الحياه وفيما يلي نسرد لكم اجمل قصائد رياض الصالح الحسين
قصيدة اعتياد
أعددت لك فنجان القهوة
فنجان قهوة ساخنة
القهوة بردت
و ما جئت
وضعت وردة في كأس ماء
وردة حمراء حمراء
الوردة ذبلت
و ما أتيت
كل يوم أفتح النافذة
فأرى الأوراق تتساقط
و المطر ينهمر
و الطيور تئن
و لا أراك
لقد اعتدت
أن أعد القهوة كل صباح لإثنين
أن أضع وردة حمراء في كأس ماء
أن أفتح النوافذ للريح و المطر و الشمس
لقد اعتدت
أن أنتظرك أيتها الثورة
قصيدة جرثومة النبع
و الآن تعالوا لنحتسي قليلا من الدهشة
و الآن تعالوا لنمزق خطانا المترددة
و نلف أوجاعنا بورق السجائر الرقيق و ندخنها باطمئنان
فالمرأة و الرجل
الصحاري و البحر و أشجار الصفصاف
الدموع و معامل الإسمنت و الحيوانات
كلها الآن مغلفة بالكرتون و الخشب الافريقي الراقص
تنتظر على السفينة الكروية الصلدة
و بعد قليل ستتقدم البذلة الأنيقة
التي تحتوي رجلا لامعا
لتقدم الهدية إلى وحش رؤوسه بعدد
القارات و المدن و القرى
وحش لا يملك أوصاف داريكولا
فأنيابه مهذبة للغاية
و لديه امرأة جميلة و لطيفة
تأكل قلوب الأطفال ببراعة لاعب شطرنج ماهر
و أما هو فيحب الويسكي المثلج
و قزقزة الحبال الصوتية للبلابل
و أنا..
تعرفون أن أنا هو أنتم
هكذا يقول شاعر شحيح من بلاد القبعات الواسعة
و المسدسات السريعة الطلقات
..أنا أحتفي بقدوم المآسي
و لدي قدرة مذهلة على هضم الأوجاع و الصفعات الرتيبة التي تأتيني
كل صباح مع فاتورة استهلاكي للأوكسيجين من المنتزهات العامة
أحب صبية بعيون و أضراس و أنف و قدمين
صغيرتين مقشرتين بمساحيق غسل الثياب
و في إحدى زوايا غرفتي قميص و بنطال و حذاء
للرقص زائد عن الحاجة
أوقاتي مقطعة
و مساحات عمري بتضاريس تجريدية
و أما جسدي فوكر للفئران
و أما جسدي فمصيدة للفراشات الهاربة
و كم أود لو يأتي يوم
لا يكون فيه السندويتش بثمن
و القبلة بثمن
و القبر بثمن
فعندما يمرض النبع
و تضع زهرة المشمش السم في فنجان القهوة الصباحي
لزهرة البرتقال
سيتساقط الليل بغزارة
و الزجاج بغزارة
و الفقراء بغزارة
و الرصاص بغزارة
و المدن بغزارة
و عندما نحب بعضنا تماما
و تقول لي البلاد كل سنة أن جواربها
العشبية قد تمزقت بحمى الفرح
فسأزرع أمام كل بيت دمية للطفل المشاكس
و أعطي صبية لكل فتى كئيب من بلدان العالم الثالث
و قيدا للقنابل النيترونية الخرقاء
و زجاجة عطر لأمي في عيد ميلادها
و لحبيبتي جسدي
و الراتب القليل الذي أحصل عليه
لقاء قراءة المراثي على قبور أصدقائي.
انظروا.. انظروا
أنا لص الأزقة الخرساء
أحمل بيدي مفاتيح العالم
مفاتيح دور سينما مل روادها الحالمون
النظر إلى مسدس الشريف و القبلات
الهوائية
مفاتيح بنوك متخمة بالمعاملات و الموظفين
و الشرطة
مفاتيح قرى تلملم نساؤها روث الحيوانات
من الحقول ليخبزن عليه فطائر
الزعتر الشهية
مفاتيح لمخترعي الأسلحة الذين يصنعون كعك
الموت لأقاربهم و أطفالهم الأعزاء
مفاتيح بيضا للسلام
مفاتيح حمرا للثوار
مفاتيح زرقا للعشاق
و لكن و أقولها بأسف شديد
إن المفتاح الزيتي الصغير الذي كان تحت وسادتي
يوم الخميس قد سرقه أحد الأغبياء
و ها أنذا أقضم أظافري و أفكر بحزن
فليلة السبت لن أستطيع أن أنسل إلى بيت
حبيبتي لألعب معها بالورق
و لذا قررت أن أموت لمرة واحدة
بدلا من الموت سبع مرات في الأسبوع
و بما أنني لا أملك تابوتا و لا قبرا و لا كفنا
فلقد قررت أن أحيا بعدد الموتى
و أفتح دكانا لتوزيع الحب عليكم من خلال هذه القصيدة
قصيدة الولد النائم
قبل أن يذهب للحرب مضى نحو السرير
أغلق عينيه و نام..
رأى فيما يرى الأولاد
سهلا فسيحا تركض الغزلان فيه
سربا من عصافير
و أشجارا من الدراق
أزهارا لها هيئة أقمار
رأى نهارا واسعا جدا
و من أقصى النهار جاء رجل يسعى
ألقى على الطفل قميصا من دم
فاختفى السهل و ماتت الغزلان
و الأشجار
اختفى النهار..
قال الولد الجميل لا بأس
أغمض عينيه بعينيه
و نام
رأى عشرين ملاكا يهبطون قربه
سألهم هل تأكلون البرتقال
هل نستطيع أن نلعب لعبة الهرة و الفأر
أختبئ الآن فوق سريري
جديني أيتها الهرةالملاك..
....
و من أقصى السماء
جاءت القنبلة فوق سرير الولد الجميل
طار الملاك
و ماءت الهرة حينما رأت إصبع طفل في التراب
قال الولد الجميل
لا بأس لا بأس
عاد إلى السرير متعبا
أغمض عينيه بعينيه
و نام..
رأى فيما يرى الحالم
أسماكا على الجدران
ذئبا يسبح في البركة
تمساحا يعود للملهى
و امرأة تنتظر الرب أمام قصر العدل
صاح الولد الجميل
لا أريد أن أرى شيئا
أريد أمي و زجاجة الحليب و القماط
قال الولد الجميل شيئا
ليس حسنا جدا
و ليس سيئا جدا
عاش البط
عاش النهر
عاشت الهرة
عاشت الأشجار
عاشت أختي و أخي
و لتسقط الدبابة..
أغلق عينيه بعينيه
و نام أبدا
فصيدة الرجل السيء
الموت
فن ككل شيء آخر
و أني أتقنه تماما
سيلفيا بلاث
و أذكر أن المرأة الزرقاء عندما رأتني أبكي جثثا و فقراء
قالت عيناك مرآتان لخمسين قارة من الوجع
و الانتظار
و قالت المرأة التي ترتدي العاصفة و الوحوش
أنت تعرف الكثير عن صبايا الأزقة المغلفات
بالأقفال البلاستيكية الملونة
و الأطفال الأغبياء المتمسكين بالأحصنة الخشبية
و نهود الأمهات
و قالت المرأة بعد أن فتحت شاشتي عينيها
كان ثمة عاشق يرعى فيهما شجرا و معتقلات
يداك قاسيتان و وديعتان
و أصابعك نحيفة و معذبة
فهل لمست بهما الرغيف الثمين أو الشفاه الرمادية المرتعشة؟
هل قبضت على العالم؟
و قالت المرأة لي
أنت تهذي كثيرا بأسماء الأسماك و الأعشاب البحرية
و تفتح مملكة دماغك ليل نهار لقوافل الغجر التائهة
و تمزق بأظافرك لحم الأبواب و الجدران السميكة
فأي الأشياء أحب إليك
أن تمضغ بشراسة رؤوس العصافير؟
أو أن تكسر الصحون و الموائد المصنوعة
من خشب الجوز؟
و قالت لي أيضا
و هي تنظر إلى الرأس
المشوه المتوتر في لوحة لسعد يكن
أمك بجانبك تنحني عليك كيمامة
و أصدقاؤك يقبلون في المناسبات
و أنا أدفئك في ليالي تشرين الباردة
و أرسل إليك الأحلام الشاسعة و المكاتيب
فماذا تطلب غير ذلك؟..
أتريد أن تفجر النبع؟ أم تود أن تحرث المجرة؟
و قالت المرأة القاسية
أبتكر لك الدنيا..
خمسة جدران بيض
و سريرا أبيض
و وردة بيضاء في كأس
و كان يمكن أن أبتكر نعشا
أنا الرجل السيء
لفاطمة العنيفة و نزيه الخائف و البحر التعيس
للأقفال الكريستالية السوداء.
للقرى الصاخبة بالعنب و الديوك و البطون المقعرة
للأغاني الممزقة في سلة المهملات
للمعاملات العقارية المبطنة بالأختام
لحبوب الأسربين و العشاق
لمصارعي الثيران الأذكياء في إسبانيا
للمجرفة الصلبة و الفلاح الرقيق
للدم الأخضر و مرتزقة الانقلابات
أنا الرجل السيء
كان علي أن أموت صغيرا
قبل أن أعرف المناجم و الدروب
المرأة التي تغسل يديها بالعطور
و الملك الذي يزين رأسه بالجماجم
الولد الخبيث ذا اللثة الطرية الذي يقشر
الحليب من البكتيريا و الحروب من الانتصارات
أنا الرجل السيء
كان علي أن أموت صغيرا
قبل أن أعرف الأشجار الارهابية و مافيا السلام
وفاة بائع المرطبات على سكة القطار
و الغجرية التي أهدتني تعويذة و قبلة
و كثيرا من الأكاذيب
أنا الرجل السيء
كان علي أن أموت صغيرا
قبل أن تفترسني الوردة
و ينحت الفنان النظيف من عظامي القلائد
و الأقراط
الفنان النظيف و الوردة النظيفة
يرسم الفنان النظيف الوردة النظيفة
في حجرة ممتلئة بزجاجات البيرة
و العرايا
لافتة الفنان النظيف
الفنان النظيف يحب الوردة
الحب للوردة و الوردة للسكاكين.
أيتها السكاكين المسكينة
أيها الجسد الإنساني القذر
أيتها الكلاب المعبأة بالمقانق و المحبة و عبير النعناع
أنا رياض الصالح الحسين
عمري اثنتان و عشرون برتقالة قاحلة
و مئات المجازر و الانقلابات
و للمرة الألف يداي مبادتان
للمرة الألف يداي مبادتان
كشجرتي فرح في صحراء
الشمس الشمس
الشمس الناضجة
الشمس المدورة كنهد
المنتشرة كالطاعون في القرن التاسع عشر
المضيئة كعيني طفلة بقميص شفاف على البحر
الشمس الشمس
تمر بأسنانها على عنقي اليانع
و تقضم أيامي كما يقضم الطفل تفاحة أو قطعة بسكويت
فتنقفل يداي على صدري
يداي كخطى الجنود مبادتان
أسأل صديقتي
صديقتي لحم و دم و خراب
في الشارع أسأل صديقتي
الشارع ضيق عندما نبكي
قليل عندما نشتاق
أسأل صديقتي
لماذا للمرة الألف نباد؟
منقطعان عن الحب
ممتلئان بالخنادق كامتلاء دمية بالقش
و بعد قليل يغطي الغبار جسدينا
بعد قليل نتشبث بغصن التعب.
متعبان اليوم
و ربما غدا أيضا نكون متعبين
فمي مباد و لذا لا أستطيع أن أسرقك
من البرد
في المقهى ننام
في الشارع نبكي
من الحقل مطرودان
من المدينة أيضا
السيارة أداة للقتل
و غصن الزيتون مشرط لإقتلاع جلدة الرأس.
قصيدة قمر
كل ما قاله الراعي للجبل
والنهر للأشجار
وكل ما قاله الناس وما لم يقولوه
في ساحات الرقص والمعارك
قلته لك
عن الفتاة التي تغني في النافذة
والحصى الذي يتكسر تحت عجلات القطار
والمقبرة التي تنام سعيدة منذ قرون
حدثتك
زهرة جسدي كل صباح
أقطفها وألقيها في الشارع
ليطأها القادة والحكماء واللصوص...
وزهرة جسدي كل مساء
أجمع تويجاتها المفتتة لأجمعها لك
وأقول كل ما حدث لي
مرة بجانبك جلست وبكيت
كان قلبي حقل أرز محترق
وأصابعي تتدلى كألسنة الكلاب في الصيف
أردت أن أعبر عني بالحركات
أن أكسر كأسا
أن أفتح نافذة
أنا أنام...
وما استطعت
عم أتحدث بعد ستة وعشرين عاما
أو بعد ست وعشرين طلقة في الفراغ؟
لقد تعبت من الكلام والديون والعمل
لكني لم أتعب من الحرية
وها أنذا أحلم بشيء واحد أو أكثر قليلا
أن تصير الكلمة خبزا وعنبا
طائرا وسريرا
وأن ألف ذراعي اليسرى حول كتفك
واليمنى حول كتف العالم
وأقول للقمر
صورنا.
قصيدة حيث في كل خطوة قمر مكسور
لقد بدأنا نعرف ما معنى الزمن
عندما نعود إلى البيت وحيدين
متشابكي القلوب والأصابع
بدأنا نعرف ما تعني الصخور النائمة في البحر
الشمس النائمة في السماء
والأغاني النائمة في المقبرة
بدأنا نعرف لماذا ننام ونأكل
ونسير في الشوارع بلا هدف
حيث في كل خطوة قمر مكسور
حيث في كل كلمة قبلة مذبوحة
حيث في كل صباح الخير طلقة مخبأة
لم نستطع أن نمزق بها دماغ صياد
لقد بدأنا نعرف ونفكر ونتألم بشكل حسن
محاولين أن نقول للفتاة الجميلة
هذه المظلة لا تصلح للوقاية من النار
هذا الثوب لا يصلح للقيام بنزهة إلى الغابة
هذه الأصابع لا تصلح لمداعبة قطة
وهاتان العينان المليئتان بالسنابل
لا تصلحان لرؤية الجوع
وهو يتقلب بعنف فوق فراش شائك
ههنا كل شيء مريض
البشر والحيوانات والأزهار
القوانين والدول
الآلهة الطيبة والشياطين الشريرة
الذين رحلوا عنا
والذين ما زالوا يتشبثون بنا
مثلما تشبث السندباد بجسم حوت بليد
معتقدا أنه صخرة
وها نحن نغوص
مرضى ومعذبين ومتعبين وجوعى
في هذه الهاوية الرحبة
التي اسمها حياتنا
نعرف ونفكر ونتألم بشكل حسن
نعرف لون الأفق في السادسة صباحا
لون الطفل وهو يغادر صباحه إلى الأبد
ولون الصباح الذي لا يزورنا
إلا عندما نشعر بحاجة إلى النوم.
أنت
اخلع عنك الحياة وأذهب بصراحة إلى الموت
الموت يا عزيزي سمكة لن تقبض عليها
إلا إذا كانت يداك جافتين
ومشاعرك حافية
أنت
اخلعي حياتك وأوقدي شمعة
ولا تفكري كثيرا بشهداء الأقاليم
لا تفكري بالبحارة التعساء
ولا بالقرصان الجميل
ولا تفكري بإفريقيا الخضراء
ولا بآسيا الرمادية
لا تفكري بالبجع ولا بالتماسيح
لا بالنهر و لا بالزورق
فقط اتركي نفسك بهدوء قرب شمعة
بذاكرة بيضاء وقلب صاف
ولنحاول معا أن نعرف ما معنى الزمن
عندما كجندي مسكين
يمد ذراعه السليمة
طالبا منا صدقة
جندي مسكين أو امرأة نحيلة
على السرير العاري كانا يموتان
بهدوء... بهدوء... بهدوء
تفتح المرأة عينيها وتنظر إلى الجندي بدهشة
يفتح الجندي ساعديه ويضم المرأة بخوف
بدهشة وخوف كانا يموتان
والعالم حولهما يتداعى ويختفي
والناس
الناس الوادعون
الطيبون
الأبرياء حتى رؤوس أصابعهم
كانوا ينظرون إليهما بلامبالاة
وحينما انتفض الجندي وطلب سيجارة
وحينما انتفضت المرأة وأعطته السيجارة
فتح الهواء الباب وأطفأ عيدان الثقاب...
أنا رجل مسكين
وأنت امرأة نحيلة
أنا بعيد
وأنت مثلي مثلي مثلي بعيدة
يداك الملوثتان بالحب
لا تغسليهما
الوحش المقتول في قلبك
اتركيه هناك يتفصد موتا
ذثريه بالأغاني وضعي يديه فوق صدره
وغدا أو اليوم
عندما تصبح الحرية كالهواء مباحة
عندما يتداعى الأباطرة كالجدران القديمة
عندما يمتلك الجميع قليلا من الرصاص
وكثيرا من القلب
وغدا أو اليوم
عندما نعرف ونفكر ونتألم بشكل حسن
وغدا أو اليوم
سنحاول أن نسير في الشارع
نتكلم بغبطة وبلا خجل
ووحيدين نعود إلى البيت
متشابكي القلوب و الأصابع
وللشجر أن يكون أشد اخضرارا
وللبحر أن يكون أشد اتساعا
ومثلما يحق للسكين أن يكون حادا ومؤلما
فللخطيئة الجميلة حقها في أن تتكاثر كالأرانب
حيث في كل خطوة قمر مكسور
حيث
في
كل
كلمة
قبلة
مذبوحة.
قصيدة الحرية
لا فائدة من الصراخ
ما دام الصوت لا يخرج من زنزانة الفم
لا فائدة من البكاء
ما دامت المناديل لا تكفي لتجفيف الدموع
لا فائدة من الطريق
ما دامت الأقدام مدججة بالسلاسل
لا فائدة من الثياب
ما دام الجسد مملوءا بالسكاكين
لا فائدة من الحب
ما دامت القبلة جريمة قانونية
لا فائدة من الرغيف
ما دام القلب سيظل جائعا
لا فائدة مني
ما دمت سأموت دون رغبة
وثمة فائدة لكل هؤلاء
عندما نمضغ عنب الحرية.
قصيدة رغبات
أريد أن أذهب إلى القرية
لأقطف القطن و أشم الهواء
أريد أن أعود إلى المدينة
في شاحنة مليئة بالفلاحين و الخراف
أريد أن أغتسل في النهر
تحت ضوء القمر
أريد أن أرى قمرا
في شارع أو كتاب أو متحف
أريد أن أبني غرفة
تتسع لألف صديق
أريد أن أكون صديقا
للدوري و الهواء و الحجر
أريد أن أضع بحرا
في الزنزانة
أريد أن أسرق الزنازين
و ألقيها في البحر
أريد أن أكون ساحرا
فأضع سكينا في القبعة
أريد أن أمد يدي إلى القبعة
و أخرج منها أغنية بيضاء
أريد أن أمتلك مسدسا
لأطلق النار على الذئاب
أريد أن أكون ذئبا
لأفترس من يطلقون النار
أريد أن أختبئ في زهرة
خوفا من القاتل
أريد أن يموت القاتل
حينما يرى الأزهار
أريد أن أفتح نافذة
في كل جدار
أريد أن أضع جدارا
في وجه من يغلقون النوافذ
أريد أن أكون زلزالا
لأهز القلوب الكسولة
أريد أن أدس في كل قلب
زلزالا من الحكمة
أريد أن أخطف غيمة
و أخبئها في سريري
أريد أن يخطف اللصوص سريري
و يخبئونه في غيمة
أريد أن تكون الكلمة
شجرة أو رغيفا أو قبلة
أريد لمن لا يحب الشجر
و الرغيف
و القبلة
أن يمتنع عن الكلام
قصيدة غرفة صغيرة وضيقة ولا شيء غير ذلك
غرفة صغيرة صالحة للحياة
غرفة صغيرة وضيقة صالحة للموت
غرفة صغيرة ورطبة لا تصلح لشيء
غرفة صغيرة فيها
امرأة تقشر البطاطا واليأس
عامل باطون لا ينام أبدا
بنت تبكي كثيرا بدون سبب
وأنا ولد مشاكس وغير لئيم
لدي كتب وأصدقاء
ولا شيء غير ذلك.
ومنذ أن ولدت بلا وطن
ومنذ أن أصبح الوطن قبرا
ومنذ أن أصبح القبر كتابا
ومنذ أن أصبح الكتاب معتقلا
ومنذ أن أصبح المعتقل حلما
ومنذ أن أصبح الحلم وطنا
بحثت عن غرفة صغيرة وضيقة
أستطيع فيها التنفس بحرية.
إنني أتنفس بحرية
في غرفة صغيرة وضيقة
أخلع ثيابي وأنام
أخلع فمي وأتكلم
أخلع قدمي وأقوم بنزهة تحت غبار السرير
مفتشا عن بقايا أطعمة وقطط تحب المداعبة.
على الرف في الغرفة كتب وأصدقاء
وهناك أيضا حزمة جافة من البرسيم
صورة لغيفارا ولوحة سوداء لمنذر مصري...
عندما أجوع ألتهم الكتب وأقول للأصدقاء
أيها الأصدقاء تعالوا لنتحاور...
وأصدقائي كثيرون
الذين يحبونني لا يتركون لي فرصة للموت
والذين يكرهونني لا يتركون لي فرصة للحياة
وغدا على الأرجح
سألتهم الأصدقاء
كما التهمت الكتب وقرارات الأمم المتحدة
وغدا على الأرجح
سأكف عن الحلم
مثلما كفت الآنسة س يدها عن شؤون قلبي
وغدا على الأرجح
سأترك للغرفة تأسيس حياتي
بجدرانها الخمسة المدماة
ونافذتها الوحيدة المشرعة.
في غرفة صغيرة وضيقة صالحة للبكاء
في غرفة صغيرة وضيقة صالحة للحب
في غرفة صغيرة وضيقة صالحة للمؤتمرات
لم أستطع أن أتآمر على أحد
لم أستطع أن أفعل شيئا.
في غرفة صغيرة وضيقة صالحة للكتابة
لم أستطع إلا كتابة وصيتي الأخيرة
الغرفة الصغيرة الضيقة
الممددة كجثة فوق سرير الأرض
قابلة مثلي للتشريح
ومثلي قابلة للإبادة.
في الغرفة الصغيرة الضيقة
أقرأ الصحف والمذابح
في الغرفة الصغيرة الضيقة
أعوي كعاصفة وأغرد كسنبلة
أنا في الغرفة الصغيرة الضيقة
نهر مكسور
وأحيانا أمة مضطهدة.
أين ذهبت المرأة؟
لتموت في الغرفة الصغيرة الضيقة.
أين قررت الموت؟
في الغرفة الصغيرة الضيقة.
كم عمرك؟
غرفة صغيرة ضيقة.
ما هي الأرض؟
غرفة صغيرة ضيقة.
اليوم صباحا وكإنسان مقتول
يعرف تاريخ ولادته ولا يملك شهادة الوفاة
أغلقت عيني النافذة
وتركت الغرفة الصغيرة الضيقة
تفيض حتى حافتها بالأمراض
اليوم صباحا
قلت سأفتش عن فاكهة لم تلمسها يد
وصديق لم تذهب به رصاصة إلى السماء
ذهبت إلى الأشجار وما وجدت أحدا
إلى الينابيع وما وجدت أحدا
إلى الصخور وما وجدت أحدا
إلى الحيوانات وما وجدت أحدا
ذهبت إلى المطارات
والشوارع
ومؤسسات الأيتام
فحسبوني شحاذا ووضعوا في كفي النقود...
اليوم مساء وكحصان مقطوع الرأس
عدت إلى الغرفة
الغرفة الصغيرة الضيقة
وبلطة ضخمة من الصراخ تنمو تحت أظافري.
قصيدة بين يديك أيها العالم
فلتأت إلي الآن
فلتأت إلي الآن
الباب مفتوح والنافذة مفتوحة
وكل ما هو لي
وكل ما هو ليس لي
وكل ما رأيته وعشته وانتظرته
ينتظرك الآن
المائدة والسرير والضوء ورائحة جسدي
العشب والأسماك والأزهار وقلبي
كل شيء ينتظرك
كل شيء ينتظرك
فلتأت إلي الآن
إن الزمن لا يتغير أبدا
إن الزمن لم يتغير قط
فالصيف كالخريف
والسبت يشبه الأحد والأربعاء
أما الذي تغير دونما انقطاع
فهو نحن
نحن الذين نذهب إلى الحروب والمصانع والمراعي
ونبتكر كل ما له علاقة بنا
الرصاص والخبز
السجون والحرية
السجائر وأقلام الرصاص
السكاكين والورق والأغاني
الألعاب والقيود والمبيدات الحشرية
إننا نفعل كل ما نستطيع
بين يديك أيها العالم
بين يديك أيها العالم
دمي يسيل الآن
يسيل وأراه
يسيل ويتبعثر ويتشابك ويفترق
ينحني وينكسر ويميل يسارا ويمينا
إنه دمي أيها العالم
دمي الصامت الثرثار
الذي يرسم بنفسه صورتي الشخصية
ووجه من أحب وأكره
بين يديك أيها العالم
متدفق ومنطو
بعيد وقريب
أتنقل من شارع إلى جدار
ومن صديق إلى قاتل
ومن أغنية إلى غبار
أتنقل وأتنقل
حاملا خضاري وقمحي وكراريسي
بنادقي وزهوري وفراغي
دونما راحة ودونما تعب
ذلك أنني أعيش لأتساءل
أو أتساءل لأعيش
ما الذي فعلت بنفسك يا هاملت؟
وما الذي تنتظرينه يا بنلوب؟
وماذا أعطت لك الحياة يا سقراط؟
ولم تثير رعبنا يا هيتشكوك؟
وأنت يا أبي...
أيها السكير المريض المقامر
أيها الحالم الطيب المسكين
أما زلت تتناول عشاءك المعتاد
بيضتين مسلوقتين
قليلا من الزبدة
نصف رغيف
وهموما كاملة
وأنت يا أمي...
أيتها الشجرة التي لم تثمر غيري
أما زلت تنامين باكرا
عارية إلا من أوراقك الخضراء
الخضراء دائما بين يدي العالم؟.
بين يديك أيها العالم
النافذة مشرعة وأنا وحيد
من يأتي إلى من
الأضواء ساطعة وأنا معتم
من يضيئني من
السفر... السفر... السفر...
هو ما أريد
الحرية... الحرية... الحرية
هي ما أطلب
أن أضم المرأة
وأسحب القمر من أنفه إلى غرفتي
أن أرقص وأرقص وأرقص
حتى تتعب الموسيقى
أن أحملك أيها العالم
أهدهدك كطفل
وأزعل منك إذا أخطأت في الحساب
أن آكل وأعمل وأشرب وأتنفس
كما يفعل المبدع الصغير الكبير
الذي يزرع القمح بين الصخرة والصخرة
ويترك للطفل حرية الحركة والبكاء
المبدع الصغير الكبير
الذي يشبك يديه خلف ظهره
في العطلات الأسبوعية
سعيدا ببطاله النظيف
وذقنه الحليقة
إبنك أيها العالم
إبنك الطويل القصير البدين النحيل الذكر الأنثى العاجز العطشان الخائف المضيء المتردد المباشر الصادق البسيط المغامر المجنون...
إبنك الذي من سهول وماعز ومطر كثيف
الضائع بين سبارتاكوس ونيرون
بين يسوع ويهوذا
الذي جرب كل شيء
ولم يتوصل إلى شيء
لأنه...
لأنه ما زال بين يديك أيها العالم.
... وأنا أنتظرك الآن
حزينا كرسالة لم تصل
ووحيدا كفزاعة عصافير
أنتظرك وأعرف أنك معي
رجلا وامرأة وطفلا
طيرا وموسيقى وغابة وطريقا طويلا...
وسواء كنت في العمل أو البيت أو الشارع
أراك وأعرفك
أفتقدك وأسأل عنك
وأينما ذهبت سأتبعك
وكلما التقيتك سأهرب منك
لكنني دائما... دائما
أفتح لك الباب وقلبي
وأقول تعال
قبلني قبلني قبلني
قبلني قبلني قبلني
هذه أصابعي وهاتان عيناي
هذه أظافري وأنيابي
وهذا هو جسدي
دافئا وبردان ومحموما
وهذه هي نفسي
فارغة إلا من الصخور والرمال
وممتلئة بكل شيء
وكل شيء لا يستطيع احتواءها
حتى أنت...
حتى أنت أيها العالم.
بين يديك أيها العالم
أعد حروبي وهزائمي وانتصاراتي
وأسجل أسماء الجلادين والضحايا
أسماء العشاق والفاشلين والمغامرين والمضطهدين
ولا أنسى إسمي
إسمي الوحيد المتكرر المتفرد
الذي يعرفه الجميع ولا يعرفه أحد
محمود أو الياس أو مريم
رياض أو سوزان أو عادل...
ما الذي يهمني من ذلك؟
فالجميع يحبون ويكرهون ويزورون المقابر
على الأقل مرة واحدة بعد عمر مديد
والجميع عندما ينامون
ينامون بطريقة واحدة ومختلفة
ولذلك لا نختلف في شيء
سوى أن بعضنا ينام بعين مفتوحة
وبعضنا لا ينام أبدا
وبعضنا ينام دائما
في قبر أو حانة أو وظيفة
في صحيفة أو كتاب أو متحف
والجميع الجميع
يملكون الأيدي والرقاب والصدور والذكريات
غير أن بعضهم لا يملكون القلب
وبعضهم قلوبهم سوداء
وبعضهم رموا قلوبهم في البالوعات واستراحوا
استراحوا بين يديك أيها العالم
بين يديك أيها العالم
أدور وأدور وأدور
كدواليب الحظ
ثم أتوقف على رقم
لا علاقة لي به
وسواء كنت ورقة يانصيب خاسرة أو رابحة
وسواء كنت رقما أحاديا أو مزدوجا
فالحصان الخاسر لن ينال الجائزة
والحصان الرابح لن يجني سوى القليل أو الكثير من التبن والذرة
أما الرابح الوحيد
فهو الذي يملك الحصان ويقوده ويوجهه
الرابح الوحيد
صاحب المهماز والسوط والقبضتين الفولاذيتين
وأنا ملكك أيها العالم
أنا جوادك الخاسر
ونحن ملكك أيها العالم
نحن جيادك الخاسرة
ننطلق وننطلق وننطلق
وأخيرا إلى الاسطبلات نعود.
بين يديك أيها العالم
المدراس القتل
الأصدقاء النميمة
الثقافة الكذب
التاريخ التكرار
والدولة هي الدولة
بين يديك أيها العالم
نحن لسنا سعداء
بين يديك أيها العالم
نحن لسنا تعساء
نحن لا شيء البتة
هذا ما يقوله النسيم
وهذا ما تقوله أمريكا
بين يديك أيها العالم
نردد الكلمات
الحرية... الحرية... الحرية
الخبز... الخبز... الخبز
الحب... الحب... الحب
إننا نردد الكلمات
منذ توت عنخ آمون
وحتى آخر جثة في بيروت الشرقية
الخبز أيتها الأمم المتحدة والمتفرقة
الحب أيها الله
الحرية أيتها الأصفاد والأسلاك الشائكة
والحياة... الحياة
بين يديك أيها العالم











