ميخائيل نعيمة ولد في بسكنتا في جبل صنين في لبنان عام 1889م هو شاعر ومفكر وناقد وقاص ومسرحي لبناني انضم إلى الرابطة القلمية التي أسسها أدباء عرب في المهجر وكان نائبا لجبران خليل جبران فيها لقب بناسك الشخروبترك ارثر زاخرا تشهد له بالامتياز وتحفظ له المنزلة السامية في عالم الفكر والأدب محليا وعالميا وفيما يلي اجمل قصائد قصائد ميخائيل نعيمة
قصيدة الطريق
نحن يا ابني عسكر قد تاه في قفر سحيق
نرغب العود ولا نذكر من أين الطريق
فانتشرنا في جهات القفر نستجلي الأثر
نسأل الشمس عن الدرب ونستفتي الحجر
وسنبقى نفحص الآثار من هذا وذاك
ريثما ندرك أن الدرب فينا لا هناك
وسنبقى في انتقال وشقاء وعذاب
وصعود وهبوط وذهاب وإياب
وسنبقى نهجع الليل وفي الصبح نفيق
ريثما نلقى منانا ريثما نلقى الطريق
قصيدة العراك
دخل الشيطان قلبي فرأى فيه ملاك
وبلمح الطرف بينهما اشتد العراك
ذا يقول البيت بيتي فيعيد القول ذاك
وأنا أشهد ما يجري ولا أبدي حراك
سائلا ربي أفي الأكوان رب سواك
جبلت قلبي من البدء يداه ويداك؟
وإلى الآن أراني في شكوك وارتباك
لست أدري أرجيم في فؤادي أم ملاك
قصيدة من سفر الزمان
إلى سنة مدبرة
روحي فكم شبت وشابت سنين
من قبل أن بانت حواشيك
واليوم كف الدهر تطويك
عنا ومن يدري متى تنشرين؟
روحي وخلينا
بالأرض لاهينا
نرعى أمانينا
في مرج أوهام
ما بين أيام وأعوام
تأتي وتمضي وهي سر دفين
إلى سنة مقبلة
ما أنت في سفر الزمان العظيم
إلا صدى الماضي وصوت الغد
فيك استوى من قبل أن تولدي
قطبا حياة نحن فيها نهيم
لا جوعها يشبع
لا موتها يهجع
لا طامع يقنع
فيها ولا الزاهدون
الناس في أسرارها حائرون
والسر لو يدرون فيهم مقيم
قصيدة من أنت يا نفسي
إن رأيت البحر يطغى الموج فيه و يثور
أو سمعت البحر يبكي عند أقدام الصخور
فارقبي الموج إلى أن يحبس الموج هديره
وتناجي البحر حتى يسمع البحر زفيره
راجعا منك إليه.
هل من الأمواج جئت؟
إن سمعت الرعد يدوي بين طيات الغمام
أو رأيت البرق يفري سيفه جيش الظلام
فارصدي البرق إلى أن تخطفي منه لظاه
و يكف الرعد لكن تاركا فيك صداه.
هل من البرق انفصلت؟
أم مع الرعد انحدرت؟
إن رأيت الريح تذري الثلج عن روس الجبال
أو سمعت الريح تعوي في الدجى بين التلال
تسكن الريح و تبقي باشتياق صاغيه
و أناديك و لكن أنت عني قاصيه
في محيط لا أراه.
هل من الريح ولدت؟
إن رأيت الفجر يمشي خلسة بين النجوم
ويوشي جبة الليل المولي بالرسوم
يسمع الفجر ابتهالا صاعدا منك إليه
وتخري كنبي هبط الوحي عليه
بخشوع جاثيه.
هل من الفجر انبثقت؟
إن رأيت الشمس في حضن المياه الزاخره
ترمق الأرض وما فيها بعين ساحره
تهجع الشمس وقلبي يشتهي لو تهجعين
وتنام الأرض لكن أنت يقظى ترقبين
مضجع الشمس البعيد.
هل من الشمس هبطت؟
إن سمعت البلبل الصداح بين الياسمين
يسكب الألحان نارا في قلوب العاشقين
تلتظي حزنا وشوقا والهوى عنك بعيد
فاخبريني هل غنا البلبل في اليل يعيد
ذكر ماضيك إليك؟
هل من الألحان أنت؟
إيه نفسي أنت لحن في قد رن صداه
وقعته يد فنان خفي لا أراه.
أنت ريح ونسيم أنت موج أنت بحر
أنت برق أنت رعد أنت ليل أنت فجر
أنت فيض من إله
قصيدة أغمض جفونك تبصر
إذا سماؤك يوما
تحجبت بالغيوم
أغمض جفونك تبصر
خلف الغيوم نجوم
والأرض حولك إما
توشحت بالثلوج
أغمض جفونك تبصر
تحت الثلوج مروج
وإن بليت بداء
وقيل داء عياء
اغمض جفونك تبصر
في الداء كل الدواء
وعندما الموت يدنو
واللحد يفغر فاه
أغمض جفونك تبصر
في اللحد مهد الحياه
قصيدة النهر المتجمد
يا نهر هل نضبت مياهك فانقطعت عن الخرير؟
أم قد هرمت وخار عزمك فانثنيت عن المسير؟
بالأمس كنت مرنما بين الحدائق والزهور
تتلو على الدنيا وما فيها أحاديث الدهور
بالأمس كنت تسير لا تخشى الموانع في الطريق
واليوم قد هبطت عليك سكينة اللحد العميق
بالأمس كنت إذا أتيتك باكيا سليتني
واليوم صرت إذا أتيتك ضاحكا أبكيتني
بالأمس كنت إذا سمعت تنهدي وتوجعي
تبكي وها أبكي أنا وحدي ولا تبكي معي
ما هذه الأكفان؟ أم هذي قيود من جليد
قد كبلتك وذللتك بها يد البرد الشديد؟
ها حولك الصفصاف لا ورق عليه ولا جمال
يجثو كئيبا كلما مرت به ريح الشمال
والحور يندب فوق رأسك ناثرا أغصانه
لا يسرح الحسون فيه مرددا ألحانه
تأتيه أسراب من الغربان تنعق في الفضا
فكأنها ترثي شبابا من حياتك قد مضى
وكأنها بنعيبها عند الصباح وفي المساء
جوق يشيع جسمك الصافي إلى دار البقاء
لكن سينصرف الشتا وتعود أيام الربيع
فتفك جسمك من عقال مكنته يد الصقيع
وتكر موجتك النقية حرة نحو البحار
حبلى بأسرار الدجى ثملى بأنوار النهار
وتعود تبسم إذ يلاطف وجهك الصافي النسيم
وتعود تسبح في مياهك أنجم الليل البهيم
والبدر يبسط من سماه عليك سترا من لجين
والشمس تستر بالأزاهر منكبيك العاريين
والحور ينسى ما اعتراه من المصائب والمحن
ويعود يشمخ أنفه ويميس مخضر الفنن
وتعود للصفصاف بعد الشيب أيام الشباب
فيغرد الحسون فوق غصونه بدل الغراب
قد كان لي يا نهر قلب ضاحك مثل المروج
حر كقلبك فيه أهواء وآمال تموج
قد كان يضحي غير ما يمسي ولا يشكو الملل
واليوم قد جمدت كوجهك فيه أمواج الأمل
فتساوت الأيام فيه صباحها ومساؤها
وتوازنت فيه الحياة نعيمها وشقاؤها
سيان فيه غدا الربيع مع الخريف أو الشتاء
سيان نوح البائسين وضحك أبناء الصفاء
نبذته ضوضاء الحياة فمال عنها وانفرد
فغدا جمادا لا يحن ولا يميل إلى أحد
وغدا غريبا بين قوم كان قبلا منهم
وغدوت بين الناس لغزا فيه لغز مبهم
يا نهر ذا قلبي أراه كما أراك مكبلا
والفرق أنك سوف تنشط من عقالك وهو... لا
قصيدة أخي
أخي إن ضج بعد الحرب غربي بأعماله
وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش أبطاله
فلا تهزج لمن سادوا ولا تشمت بمن دانا
بل اركع صامتا مثلي بقلب خاشع دام
لنبكي حظ موتانا
أخي إن عاد بعد الحرب جندي لأوطانه
وألقى جسمه المنهوك في أحضان خلانه
فلا تطلب إذا ما عدت للأوطان خلانا
لأن الجوع لم يترك لنا صحبا نناجيهم
سوى أشباح موتانا
أخي إن عاد يحرث أرضه الفلاح أو يزرع
ويبني بعد طول الهجر كوخا هده المدفع
فقد جفت سواقينا وهد الذل مأوانا
ولم يترك لنا الأعداء غرسا في أراضينا
سوى أجياف موتانا
أخي قد تم ما لو لم نشأه نحن ما تما
وقد عم البلاء ولو أردنا نحن ما عما
فلا تندب فأذن الغير لا تصغي لشكوانا
بل اتبعني لنحفر خندقا بالرفش والمعول
نواري فيه موتانا
أخي من نحن؟ لا وطن ولا أهل ولا جار
إذا نمنا إذا قمنا ردانا الخزي والعار
لقد خمت بنا الدنيا كما خمت بموتانا
فهات الرفش وأتبعني لنحفر خندقا آخر
نواري فيه أحيانا
قصيدة إلى دودة
تدبين دب الوهن في جسمي الفاني
وأجري حثيثا خلف نعشي وأكفاني
فأجتاز عمري راكضا متعثرا
بأنقاض آمالي وأشباح أشجاني
وأبني قصورا من هباء وأشتكي
إذا عبثت كف الزمان ببنياني
ففي كل يوم لي حياة جديدة
وفي كل يوم سكرة الموت تغشاني
ولولا ضباب الشك يا دودة الثرى
لكنت ألاقي في دبيبك إيماني
فأترك أفكاري تذيع غرورها
وأترك أحزاني تكفن أحزاني
وأزحف في عيشي نظيرك جاهلا
دواعي وجدي أو بواعث وجداني
ومستسلما في كل أمر وحالة
لحكمة ربي لا لأحكام إنسان
فها أنت عمياء يقودك مبصر
وأمشي بصيرا في مسالك عميان
لك الأرض مهد والسماء مظلة
ولي فيهما من ضيق فكري سجنان
لئن ضاقتا بي لم تضيقا بحاجتي
ولكن بجهلي وادعائي بعرفاني
ففي داخلي ضدان قلب مسلم
وفكر عنيد بالتساؤل أضناني
توهم أن الكون سر وأنه
ينال ببحث أو يباح ببرهان
فراح يجوب الأرض والجو والسما
يسائل عن قاص ويبحث عن دان
وكنت قصيدا قبل ذلك كاملا
فضعضع ما بي من معان وأوزان
وأنت التي يستصغر الكل قدرها
ويحسبها بعض زيادة نقصان
تدبين في حضن الحياة طليقة
ولا هم يضنيك بأسرار أكوان
فلا تسألين الأرض من مد طولها
ولا الشمس من لظى حشاها بنيران
ولا الريح عن قصد لها من هبوبها
ولا الوردة الحمراء عن لونها القاني
وما أنت في عين الحياة دميمة
وأصغر قدرا من نسور وعقبان
فلا التبر أغلى عندها من ترابها
ولا الماس أسنى من حجارة صوان
هل استبدلت يوما غرابا ببلبل
وهل أهملت دودا لتلهو بغزلان
وهل أطلعت شمسا لتحرق عوسجا
وتملأ سطح الأرض بالآس والبان
لعمرك يا أختاه ما في حياتنا
مراتب قدر أو تفاوت أثمان
مظاهرها في الكون تبدو لناظر
كثيرة أشكال عديدة ألوان
وأقنومها باق من البدء واحدا
تجلت بشهب أم تجلت بديدان
وما ناشد أسرارها وهو كشفها
سوى مشتر بالماء حرقة عطشان
قصيدة يا بحر
أما تعبت؟ عجيج
كر ففر فكر
ماذا تروم وأنى
تسير لا تستقر؟
كأنما فيك مثلي
قلبان عبد وحر
هذا يروم فرارا
من ذا وليس مفر
يا بحر يا بحر قل لي
هل فيك خير وشر؟
هل في سكونك أمن
وفي هياجك ذعر
أم في امتدادك يسر
وفي انقباضك عسر
وفي انخفاضك ذل
وفي ارتفاعك فخر
وفي سكوتك حزن
وفي هديرك بشر
يا بحر يا بحر قل لي
هل فيك خير وشر؟
وقفت والليل داج
والبحر كر وفر
فلم يجبني بحر
ولم يجبني بر
وعندما شاب ليلي
وكحل الأفق فجر
سمعت نهرا يغني
الكون طي ونشر
في الناس خير وشر
في البحر مد وجزر
قصيدة بين الجماجم
حدثيني عن الحياة عسى أعطي فؤادي اللجوج عنها جوابا
حدثيني عن القلوب التي كانت قلوبا واليوم صارت ترابا
كيف كانت بالأمس ثملى ولا تحسب للموت في الحياة حسابا
نابضات حبا وبغضا وإيمانا وشكا وراجيات ثوابا
ها أنا ألمس التراب فلا ألمس هما أو غبطة أو عذابا
وأصيخ إلى التراب فلا أسمع شكوى أو لهفة أو عتابا
أترين الأشواق صارت بروقا ودموع الأحزان أضحت سحابا
وأنين القلوب أمسى رعودا وأمانيها استحالت ضبابا؟
أم ترين التراب عاد ترابا وسراب الآمال عاد سرابا؟
حدثيني عن الخدود التي بالأمس كانت مذابحا للجمال
تنطق المؤمنين بالكفر والكفار بالسبح للقوي المتعالي
نتبارى بلا انقطاع إليها ونضحي لها بأغلى الغوالي
كم سجدنا أمامها وابتهلنا وقرعنا صدورنا في الليالي
وحرقنا القلوب منا بخورا ونظمنا العيون عقد لآلي
ها أتينا لنترع الروح مما كان فيها لطرفنا من كمال
وغريب أن لا نرى حيث كانت غير دود يدب بين الرمال
ويح قلب يرى الخيال جمالا ويح عقل يمحو جمال الخيال
حدثيني عن نسمة جعلت آدم حيا وكان تربا وماء
يا لها نسمة أرتنا بصيصا في ظلام البقاء فزدنا عماء
ما لبسنا الحياة حتى لبسنا في ثنايا ثوب الحياة الفناء
فغدونا إذا رجونا عزاء صار ذاك الرجاء فينا بلاء
ونسينا أنا تراب فلا بالأرض نرضى ولا ننال السماء
نسمة الله أين؟ أين استقرت بعد أن عادت الجسوم هباء؟
أإلى صدر خالق الكون آبت تحمل الهم والأسى والشقاء؟
حدثيني عن الحياة لكي أعطي عني أمام نفسي حسابا
فعسى الخالق الذي ضمن صدري لا يزيد النيران فيه التهابا











