محمد خضير هو قاص وروائي عربي عراقي ولد في البصرة وأصبح خضير قمة شاهقة في الثقافتين العربية والعراقية كونه صنع لنفسه أسطورة خاصة في كيفية كتابة النص الأدبي ليكون أبا ورائدا من رواد القصة العربية التي يبحث الجميع عن أية كتابة له سواء ما يتعلق بالتنظير الأدبي أو الإنتاج القصصي فيما يلي اجمل قصائد محمد خضير
قصيدة اعترافات مؤجلة لعنترة العبسي
الليل توأمني فأمسى صاحبي
ثم افترقنا كاهلا يبكي صبي
هو فحمة هام النهار بكحلها
وأنا غريب اللون أنكرني أبي
ومضى إلى شأن القبيلة شاهرا
سيف الفحولة تاركا قتلاه بي
أمي ونصف قصيدة حملتها
لما سؤال الرمل أنهك مركبي
فرجعت تحملني الجهات بلا هدى
أنى ارتحلنا كان شرقي مغربي
يممت قلبي صوب عبلة أرتجي
نسبا يخالط في المودة مطلبي
فلقيت ما لقي الغريب كأنما
عبد تسلل في عباءة أجنبي
يا عبل هذا الشعر محض غواية
لا دين للشعراء فيه ولا نبي
شيطاننا أنثى ونحن صغارها
ما ضرها لو أنها لم تنجب
كنا سخرنا من مجاز يرتضي
للغيم بيتا في حمى قمر غبي
لكننا شعراء نستبكي الدمى
ونذود عن ذئب الجمال بثعلب
من كرمة اللغة اعتصرنا شعرنا
في كأس أخيلة دهاق فاشربي
تعب الهوى من عاشق عطش يرى
أن الجمال بكف ليلى يختبي
ها أنت في معنى الوداعة طفلة
من أودع الإنسان فيك لتتعبي؟
عيرت ما انتبهوا بأني غيمة
لولا شديد سوادها لم تسكب
لو كان لوني مذهبا لتبعته
لكن سيفي في الوقائع مذهبي
وبه انتزعت من الورى حريتي
ونقشت فوق الماء وجه معذبي
والآن تسلمني السماء لرملها
غمدا بلا سيف يغبر ملعبي
ها قاتلي أعمى رضيت بسهمه
كي لا يرى إغماضتي وتقلبي
كأس المنية لا محالة دونه
يا عبل أين من المنية مهربي؟
قصيدة الأعمى
أنا الأعمى الذي كسرت عصاه
بلا ذنب وما تابت خطاه
أتيت كريم كف ذات فقر
فألقى للطريق حصى قراه
رجعت وقلبي الخالي يتيم
فمن يك حانيا ويكن أباه؟
غريبا في زحام العمر أمشي
عسى حظي يصادفني عساه
كتبت الحب فوق الرمل سرا
ودلال الهوى جهرا محاه
وشى بي مثل مرآة تجلت
على فمها الملامح والجباه
أنا ضدان في جسد وروح
قميصي قد وانفرطت عراه
أنادي وجه ظلي في المرايا
وصوتي في المدى يبكي صداه
وبي قلق يساورني بليل
بريء العتم تفضحني رؤاه
كفاني أنني ماء وأفنى
إذا جف الهوى في منتهاه
هرمت وطار عن رأسي غراب
له في البين ما كان اشتهاه
لحقت به صغيرا غير أني
على كبر طواني ما طواه
وما ألفيت مثل الشيب شيئا
يغار على الفتى إلا صباه
كأني دون خلق الله أحيا
بلا وطن ويقتلني سواه
قصيدة النكران.. أو ما قاله البحر
يقول البحر للبحار خذني
سئمت العيش في مد وجزر
حملت الناس لم أعبأ بآت
ولا غاد ولا أسلمت أمري
إلى الجودي سقت الفلك أمرا
بموج كالجبال وكنت أجري
فأقلعت السماء وذللتني
شقوق الأرض ما استوفيت أجري
وموسى الطفل في سل سرير
لأم ألقت السلوى بذعر
رددت صغيرها ما ابتل صدرا
ولما اشتد عودا شق صدري
وسعت الماء... ما قالت غيوم
وما همست به عين لنهر
وما استرق الغدير من الندامى
وما ذرفت عيون يوم هجر
هم العشاق مذ كانوا حماما
وهذا الماء مسكوب لطيري
تمادوا في الجهات وهم حيارى
وراحوا بعد هدي نحو بر
كأن الرمل مفتاح لعسر
وموج اليم أقفال ليسر
فلا تأبه بمن عبروا وساروا
على دسر بألواح وخدر
أقمت العمر في حل ثقيل
وكم عبروا خفافا تحت جسري
أنا البحر المسافر في مكاني
وصحن الأرض متراس لقبري
وهبت العذب من مائي شرابا
وألبست العذارى حلو دري
ينازعني المهاجر قوت جوفي
بمجداف وطعن فوق ظهري
وإن أطبقت فك الماء غلا
تشبث كالقلادة فوق نحر
حفظت السر في قاع بعيد
فهل حفظت حفاة البر سري؟
فقل للعابرين ألا فمروا
مطايا نحن والأقدار عذري
تغادرني النوارس مثل إنس
تعللني وولى دون ذكري
قصيدة غيض الكلام
يا صاح هل من شاعر أسرى بنا
فوق احتمال الغيب أو ما لا يرى
خدعوك إذ صار الخيال حقيقة
إن السراب إذا دنوت تأخرا
يا صاح كم في الوهم من قتلى وكم
نطقت قصائدنا بقول زورا؟
ما الشعر إلا شكلنا في مائه
هل تعكس المرآة إلا ما ترى؟
فاحفظ لسانك إن تجلت خيله
كي لا تميد الخيل أو تتعثرا
كذب عيون الشعر لحظ سهامها
أبلين قيسا والسليك وعنترا
ما نحن في سطر الخطابة أهلها
لنكون في صدر المطايا شنفرى
الشعر سحر والعرافة حرفه
إن أقبلت عين الحقيقة أدبرا
وأنا عصا موسى أشق بحوره
يا ويل شعري كم غرقت وأبحرا
ما سقت يوما زهو شعري مكرها
كي لا يكون الشعر قولا منكرا
أجريت دمع العاذلين ترفعا
عن كل حرف في مثالبهم سرى
لم أهج يوما من تأبط سيرتي
وهجوت من باع البلاد وأجرا
فسمعت همس عواذل في حينا
يسألن هل أعمى ينازل مبصرا
أودعت صدر الغيم ملح قصائدي
فهمت على صدر القوافي سكرا
فاضت به الأحداق حتى أنها
من فرط جوع العين سالت أنهرا
ناظرت في الأرض اليباب قصيدتي
غيض الكلام وما استويت على الثرى
فرحلت عني نحو ظني مرغما
لأرد جمعا قد تقول وافترى
يا راحلين إلى الكلام تمهلوا
لا مركب في اليم يمشي للورا
هي رحلة السهم المفارق قوسه
ما عاد يوما مخبرا عما جرى
ف اذهب إليك وردها عن غيها
واهجر سبيل اللغو حتى تعذرا
قصيدة لباب الحب
من حسن حظ الحب أني عاشق
لأتم للعشاق وصف عذابه
وأروم كل قصيدة كتبت به
كي أنزع الأحلام من كتابه
فلقد مررت بألف قلب ظامئ
وعرفت أن الماء ملء سرابه
وركبت فلكا للحقيقة ملهما
ونسيت أن الوهم من ركابه
ما كان زيفا حب عبلة للفتى
حين استباح الشوق بيض حرابه
كم هالني ما قال قيس في الهوى
حتى حسبت العشق من طلابه
وسمعت ما همست شفاه بثينة
لما جميل خصها برضابه
قابيل جن جنونه لما اكتوى
شق التراب معاتبا لغرابه
هذا أخي... لكن حبي قاتلي
والحب يا هذا اتباع طلابه
يا حب مهلا قد أضعنا حبنا
مذ غادر الشعراء نظم عتابه
فتهافتوا شعرا بكل غواية
والقلب موؤود بغير ترابه
كل يرتب للفريسة دورها
ويسن نصلا من بديع كذابه
فالحب يا أهل الغرام جريمة
فيها الضحايا تستوي بعقابه
سل راحلا كيف انطوى برحيله
قلب لعاشقة... تسائل ما به؟
سكن النساء جميعهن مجربا
والغدر صلى في سما محرابه
وخيانة قد أشهرت سيفا لها
لتغيظ سيفا للوفا بجرابه
ها قد عشقت ولفني ثوب الهوى
ورتقت قلبي من حرير ثيابه
ورددت عمري من عتيق كهولة
من بعد ما ولى شغاف شبابه
فضت بكارة قلبها لأكونها
فسكنته... ثم استكنت ببابه
سأعلم العشاق أن محبتي
ماء يفيض على الندى بحبابه
فأنا المتيم والموله في اللقا
وأنا غريم الحب عند غيابه
تالله لو كان الهوى ملكا لنا
لتقاسم العشاق دور خرابه
لكنه من حكمة سينالها
من عاف قشر الحب دون لبابه
قصيدة فجر الخليل.. إلى الشهيد الطفل محمد أبو خضير
قطعان غدر... والشوارع نائمة
والفجر بحر... والمدينة عائمة
طفل يشق العمر صوب نجاته
يمشي الهوينى والخيانة جاثمة
خطواته شمع الطريق يضيؤها
وقع الدعاء بصدر أم صائمة
عد يا حبيبي واسترق صحوي أنا
أسكن نعاس العمر كفي الهارمة
اهجر براءتك التي طرزتها
وانهض لحتفك فالشهادة قادمة
قطعان غربان ووحدك صارخ
ناديت إذ ناديت عربا عاجمة
لا صوت إلا ما تمخضه الردى
سقطت عواصمنا وصرت العاصمة
فاقرأ علينا ما تيسر من دم
هذي العروبة بالقراءة واهمة
سلت سيوف الشعر في صمت وما
سلت سيوفا للكرامة فاهمة
ما نحن إلا أمة في صمتها
نقضت صلاة النصر خوف اللائمة
هذي البلاد بلادنا مهما علا
صوت الرعاة وباركته السائمة
هذي السماء سماؤنا ما أمطرت
إلا رجالا والرجولة حاسمة
عذرا صغيري إذ تلوتك آية
فالشعر ذنب والقصيدة آثمة
نار الغزاة لهيبها من نفطنا
واللحم نيء والعروبة هاضمة
أنت الذي أجفلت فينا ظلمنا
كم ظالم ألقى السؤال لظالمة؟
هل في خيام العمر فرصة حالم
لنقول حي على الحياة الحالمة؟
عبس الجناة وكان سنك ضاحكا
فتبسمي يا قدس مالك واجمة؟
لا طيب إلا ما تلته نسائم
عبقت وريح الموت زهر هائمة
نضجت ضلوعك هل صرخت تمهلي
أم كانت النيران بردا سالمة؟
هذا خليل الله في صمت اللظى
كان البداية ثم كنت الخاتمة
قصيدة سؤال الغيب.. من سيرة النبي محمد عليه السلام
دنا أجلي فأنكرني عذول
وجسمي بارد قلق نحيل
كأن العمر ماء فوق كف
إذا ارتجفت أصابعها يسيل
ويمسي محض ذكرى من كلام
وينسى كلما اتسع الرحيل
سألت الناس هل أنسى؟ أجابوا
عبير الورد يمحوه الذبول
فما أحد أصاب الخلد ذكرا
كمن ضحكت لمولده الطلول
يتيم قد براه الفرد فردا
بلا أم ولا عم يقيل
أتاه الوحي لا إنس فينسى
ولا جن له قلب ملول
وجاء الصوت ملء الغار اقرأ
فقال محمد ماذا أقول؟
ولست بقارئ ما لست أدري
ولست بغافل عما تقول
فنادى يا خليلة دثريني
لهيب البرد في روحي نزيل
وصوت الحق في الأسماع يسري
له وقع على صدري ثقيل
فما وجلت كأن القلب يدري
وما كتمت فأنطقها الذهول
لعمرك قد حملت الكل رفقا
وغيرك في الورى أبدا عجول
لأنت نبي من وهب البرايا
سؤال الغيب فانتبهت عقول
وشاع الأمر بين الناس حتى
تقطع في خطى الهجر السبيل
فجاءوا أرض طيبة في خفاء
كأن خطاهم العجلى خيول
وسائرة إلى ثور تلاها
حمام الأيك يسبقه الهديل
على أعتابه قوم تناهوا
بأن الغار مهجور مهيل
تولوا بعدما شاهت وجوه
فما قدروا وما تم الدخول
وما بصروا ولو نظروا وغالوا
وما ظفروا وإن صدق الدليل
فسار الصاحبان على جناح
خفافا ويكأن الأرض ميل
تآخى الناس والقصواء أرست
مكان البيت يشهدها سلول
علا شأن الظلوم فجاء يسعى
وصوت الموت تقرعه الطبول
وما شهدوا قبيل الصلح حربا
كبدر يوم عافتها الفلول
تلاه الفتح والأصنام قتلى
فلا هبل ولا عزى تصول
أسارى دون قيد قد أفاضوا
كريم تحت إمرته ذليل
وطاف البيت سبعا في وداع
كما قمر سيدركه الأفول
ألا يا أيها الناس اسمعوني
لعلي بعد عامي لا أحول
وجاء الموت في خجل وألقى
كتاب الغيب قد آن الرحيل
مضى والأرض خاشعة تصلي
عليه ودمع قبلتها يسيل
قصيدة عراقنا
لا تسأليني أتعبتني الأسئله
هرم الجواب كأن ثغرا أهمله
الصمت غيظ والكلام مشيئتي
إن شئت طاولت الردى كي أسأله
كم راحل حمل الفرات رفاته
حتى استوى في كل بيت أرمله
شقت ثياب القهر لا حزنا
على صمت المنازل بل ضياع المنزله
لما مشى متخففا من ذلنا
نسر العراق وذلنا قد أثقله
رجفت أيادي الغدر لما طوقت
عنقا تبسم في فضاء المقصله
ومضى يرتب للبلاد نهارها
لكن موتا في الظلام تعجله
يا سائلي... نصر أضل طريقنا
تاهت بنادقنا ونحن البوصله
دمنا الحرام تحللته سيوفنا
أم أن سيف الخائفين تحلله؟
بغداد تسكنها الحياة بعسرة
والموت في جنباتها ما أسهله
في كل جنب عصبة... قرآنها
دمنا بمحراب العروبة رتله
ف يزيد إن ألقى حديثا للهوى
راح الذي تبع الحسين فأوله
غرباء واتفقوا على جسد لها
فتقطعت أوصالها والرأس له
هذا العراق عراقنا مهما علا
صوت الطغاة فكل صمت مرحله
هذا النشيد لثائر في صدره
حمل العراق وذاد عنه لنحمله
قصيدة ليلى
هو الليل استفاق فقلت أهلا
بمن صبغ النهار وسال ظلا
أتتني تسأل التواق صبرا
على جسد به العشاق قتلى
وراحت تخلع الأشواق نشوى
رشوف رخصة الخدين خجلى
قوام الكأس إن دارت علينا
وساقيها الرخام إذا أهلا
كأن الماء بردتها ويجري
على نهدين في عطش أطلا
طوتني تحتها ما عدت أدري
أخمر باغت الشفتين أم لا؟
لثمت وما اكتفيت وصرت أدري
بأنا... طفلة تجتاح طفلا
علوت الخيل لم أمسك يميني
إذا أعلو يكون الجود بخلا
وكنت إذا غرست الغصن رطبا
نما في لذة وروته دلا
كما بكر ترد الخوف آهت
وألقت في قرار البئر حبلا
صبا شوقا كسيف زار غمدا
تردد في الدخول فزاد وصلا
بكى فوق اللمى لما ارتوينا
فما ورد العطاش كحوض ليلى
قصيدة وجه أمي
يا وجه أمي
هذه القسمات منفى
حين يلفظني الحصى
أخلو بها
لأنام بين ظلالها
فهناك رائحة الخيام
وبعض ذكرى
من أغان ساهرة.
يا وجه أمي
من ملامحك العتيقة
قد نثرت العمر فوضى
في تلابيب الحياة
وصرت كهلا...
ها بياض الشعر دفلى
وانحناء الظهر عيب طارئ
بشوارع المنفى
وما في العمر من سعة
وما للعمر من قدم
تعيد إلى الطريق خطاك.
عكازك الخشبي صارت
ثالث الأقدام فوق جناننا
فتريثي بالمشي
نحن العابرون
إلى الجنان.
يا وجه أمي
ألف ذكرى تستبيح الروح
رجعا
نحو حضن من بلاد
فاجمعي كفي عشرا
كي أعانق ما تبقى
من حياة...
غرقت بحار العمر
في زبد انتظاري
والمدائن في زحام
من فراغ آدمي.
من سواك يلم بعضي
إذ تناثر في المنافي
والشتات
ومن سواك
يعيد شكل الأغنيات
لمهد طفل في قميص الأمنيات
ومن سواك
يقود ليل المتعبين إلى النهار
بركب كف أو دعاء
يا وجه أمي
يا بلاد الأنبياء
شهداؤنا خضر السنابل
إن ذراها الريح
عادت بعد تسع في انحناء
ثم هاجت
تحمل الأكفان بيضا
نحو موت في البلاد
فاصفر وجه الحاملين مناجلا
عقب الحصاد.
يا وجه أمي
من سواك
يشد أزر الموت
حين يباغت الأطفال
في وضح البراءة
ثم راح اللحم يلهو
ظن أن الحرب ألعاب
فألقى للعناقيد
التحية
يا وجه أمي
ما عساني إن تكالبت اللغات
وصار قلبي أعجميا
أي ضاد
في نحول الحرف يكفي
كي يصير الشعر صوت البندقية
يا وجه أمي
من سواك؟











