محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ولد بهجرة شوكان من بلاد خولان باليمن عام 1760م هو فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن بل من أبرز علماء أهل السنة والجماعة وفقهائها تربي وترعرع في صنعاء في بيت العلم والفضل فنشأ نشأة دينية طاهرة تلقى فيها معارفه الأولى على والده وأهل العلم والفضل في بلدته فحفظ القرآن الكريم وجوده واصبح قاضيا فيها واستمر في ذلك حتي وافته المنية وفيما يلي نستعرض معكم اشهر قصائد محمد الشوكاني
قصيدة ما بال بري بتعليم الفنون غدا
ما بال بري بتعليم الفنون غدا
عين العقوق لديكم يا ذوي الطلب
هل ذا لنقصان حظي أم لطرحكم
تلك الحقوق بلا جرم ولا سبب
أم أوجب الثلب تركي للمناصب في
حب العلوم ونيلي عالي الرتب
أم ابتعادي لما قد زاف من كلم
خالطتم حبه باللحم والعصب
لا عيب لي غير أني في دياركم
شمس ولم تعرفوا فيها سوى الشهب
وأنتم كخفافيش الظلام وما
زال الخفاش بنور الشمس في تعب
موتوا إذا شئتم قد طار من كلمي
من نصرة الحق ما حررت في الكتب
وأرتجي أن يرجي دعوتي نفر
يسعون للدين لا يسعون للنشب
لا يعدلون بقول الله قول فتى
ولا بسنة خير الرسل قول غبي
لا ينثنون عن الهدي القويم ولا
يصانعون لترغيب ولا رهب
أبث ما بينهم من مذهبي دررا
حجبتها عن ذوي التقليد والريب
يا فرقة ضيعت أعلامها سفها
وصيرت رأس أهل العلم كالذنب
ما قام رب علوم في دياركم
إلا وجرعتموه أكؤس الكرب
خلائق قد سقاكم سوء مشربها
أسلاف سوء لكم في سالف الحقب
من قال قال رسول الله بينكم
غدا بذا عندكم من جملة النصب
فإن يقل أشياخ الفروع كذا
قلتم أصاب وفي التحقيق لم يصب
جعلتم المذهب الزيدي بينكم
على جلالته أعجوبة العجب
صيرتم صفو علم الآل في كدر
حتى غدا بينكم يوما من اللعب
عاديتم السنة الغرا فكان بذا
دعوي خصومكم موصولة السبب
كم ظن ذو حمق في الضر منفعة
وظل يرجو نجاة من يد العطب
سودتم جيل جهل بالعلوم وذا
رأي يجر بذيل الويل والحرب
والإجتهاد غدا في كتب فقهكم
شرط الإمام فإن تعدوه لم يجب
وشرط حمال أعباء القضاء مع ال
إفتا فلم تعرفوا ما خط في الكتب
فحكموا بيننا الأزهار فنكم
تلقوا به إن فهمتوه جلا الريب
ألم ينص على شرط اجتهاد فتى
سما إلى المنصب الأعلى من الرتب
وراجعوا آخرا من كتبه وكذا
باب القضا واستريحوا من أذى التعب
وقال من حاز علم الإجتهاد ولم
يحل عنه عرا التقليد لم يصب
وإنني حزت أضعاف الذي شرطوا
قبل الثلاثين من عمري بلا كذب
ألم أضمخ به أرجا الجوامع بالت
دريس في كل فن معشر الطلب
ألم أصنف في عصر الشبيبة ما
يغدو له محكم العرفان في طرب
لو كان مطلع شمسي غير أرضكم
ما حال دون سناها عارض السحب
ولا غدت لعشاء الناظرين لها
كأنها طلعت في مظلم الحجب
قصيدة في حاديات الليالي للفتى عجب
في حاديات الليالي للفتى عجب
وفي نوائبها تفاوت الريب
فطالما أظهرت للناس خير فتى
من قبلها كان بالتزوير يحتجب
لولا التجارب ظن الناس في شبه
بأنه الفضة البيضاء والذهب
إن المعادن لولا الحفر واحدة
والكل منها لوجه الأرض ينتسب
والحلو والمر في الشيئين محتجب
فإن بلوتهما لم يجهل السبب
والخير والشر لا يدري الفتى بهما
حتى يساوره في دهره النوب
كم من فتى تعشق الأبصار رونقه
ودمعها بعد خبر منه ينسكب
ومن فتى تزدريه وهو إن صدقت
منه التجارب للمعروف يكتسب
ابل الرجال ودع عنك الغرور بما
يقضي به حسب الفتيان والنسب
فإن وجدت جميلا بعد تجربة
فاشدد يديك فهذا عندي الحسب
وإن وجدت قبيحا بعد مخبرة
فذاك لمع سراب كله كذب
وإنني قد حلبت الدهر أشطره
وقد بلوت الأخلا فوق ما يجب
وقد خبرت الورى في كل حادثة
فلم يكن عندهم في مطلب أرب
وكلهم مظهر حبا لذي نشب
إن عاد يوما عليهم ذلك النشب
يدوم صفو الإخا منهم فإن سلبت
يد الزمان الذي يرجونه سلبوا
إن كنت تبغي وداد الناس كن رجلا
فيهم له رغب إن شئت أو رهب
فإن تكن راغبا في مثل ذا رغبوا
وإن تكن راغبا عن مثله رغبوا
ما لامرىء في وداد الناس من سبب
إن لم يكن عنده يوما له سبب
ومن يقل غير ذا قل أنت في غرر
ولست من معشر للناس قد صحبوا
ستعرف الأمر إن نابتك نائبة
أو أمكنت فرصة في مثلها يثبوا
فلذ بحبل التقى والعلم مطرحا
كسب الإخاء فهذا الأمر مضطرب
لا تقتحم لوداد الناس مهلكة
يغتالك الويل والتنكيد والنصب
ولست مستثنيا منهم سوى نفر
في ربعهم للأخلا يرفع الطنب
يصفون إن كدرت أخلاقهم كرما
وإن يشب محض ودي القوم يشبوا
يقدمون قضا حاج الصديق على
حاجاتهم إذ رأوه بعض ما يجب
ومنهم العالم السباق في رتب
حتى حوى غاية تعنو لها والرتب
حينا يحل رموز العلم إن خفيت
وتارة عنده الأشعار والخطب
يمشي على نمط الأعراب إن نظمت
يراعه كلمات شأنها عجب
انظر إلى مدح منه مجودة
كأنما نظمت في سلكها الشهب
وانظر حماسة نظم منه رائعة
كأنها في الطروس البيض والنيب
تحكي لنا من خطوب الدهر معضلة
وفتنة نارها في السفح تلتهب
من جاحد نعمة المولى الإمام وقد
أولاه من سيبها ما ليس يحتسب
لم ينهه كرم لم تثنه نعم
لم تلهه نقم في كفها العطب
ولم ينل منه ما يرجوه من ظفر
بذلك الحرب لا بل ناله الحرب
خفف عليك ابن يحيى ما دهاك به
ريب الزمان فما في ريبه ريب
كانت سحابة صيف ما تألف في
أطرافها البرق حتى انجابت السحب
أو مثل صوت رياح زعزع زحفت
على الجبال فما مادت لها كثب
من ينطح الصخرة الصماء تهشمه
والصخر بالنطح يوما ليس ينشعب
قصيدة على عصر الشبيبة كل حين
على عصر الشبيبة كل حين
سلام ما تقهقهت الرعود
ويسقيه من السحب السواري
ملث دائم التسكاب جود
زمان خضت فيه بكل فن
وسدت مع الحداثة من يسود
وعدت على الذي حصلت منه
فجدت به وغيري لا يجود
وعاداني على هذا أناس
وأظلم من يعاديك الحسود
يروني لا أدين بدين قوم
يرون الحق ما قال الجدود
ويطرحون قول الطهر طه
وكل منهم عنه شرود
فقالوا قد أتى فينا فلان
بمعضلة وفاقرة تؤود
يقول الحق قرآن وقول
لخير الرسل لا قول ولود
فقلت كذا أقول وكل قول
عدا هذين تطرقه الردود
وهذا منبع الأعلام قبلي
وكلهم لمورده ورود
إذا جحد امرؤ فضلي ونبلي
فقدما كان في الناس الجحود
وكل فتى إذا ما حاز علما
وكان له بمدرجة صعود
وراض جوامحا من كل فن
وصار لكل شاردة يقود
رماد القاصرون بكل عيب
وقام لحربه منهم جنود
فعادوا خائبين وكل كيد
لهم فعلى نفوسهم يعود
وراموا وضع رتبته فكانوا
على الشرف الرفيع هم الشهود
إذا ما الله قدر نشر فضل
لإنسان يتاح له حسود
ومن كثرت فضائله يعادي
ويكثر في مناقبه الجحود
إذا ما غاب يلمزه أناس
وهم عند الحضور له سجود
وما بنقيصة عابوه إلا
وكان لما يعاب به ردود
وليس يضر نبح الكلب بدرا
وليس يخاف من حمر أسود
وما الشم الشوامخ عند ريح
تمر على جوانبها ثمود
ولا البحر الخضم يعاب يوما
إذا بالت بجانبه القرود
فصيدة تهدم من ربع المعارف جانبه
تهدم من ربع المعارف جانبه
وأصبح في شغل عن العلم طالبه
وأكسف بدر التم بعد طلوعه
وكدر منه صفوه ومشاربه
وأقبل من ليل الجهالة دامس
وأدبر من صبح المعارف ثاقبه
وقطع أنساع الرواحل راجل
وكسر أقتابا من الرحل راكبه
وأقسم لا يعلو على ظهر أنجب
وقد قام فينا لابن أحمد نادبه
إمام إذا الإشكال عن وأعضلت
غرائب علم فرجتها غرائبه
إمام رقا في دارة العلم منزلا
يقصر عنه عجمه وأعاربه
إمام به ازدان الزمان وشيدت
مناقب أبناء الرسول مناقبه
لتبك بملء الجفن سنة أحمد
فطالبها ضاقت عليه مذاهبه
لتبك عليه الأمهات فإنها
أصيبت بثكل ليس ثكل يقاربه
لتبك عيون العلم طرا لماجد
به ارتفعت بعد السقوط جوانبه
أعيني جودا فابن أحمد قد قضى
وقد آن أن يجري من الدمع ساكبه
هوى بدر تم المكرمات وأنشبت
بعلياه من ليل المحاق مخالبه
أسى كان في طي الزمان يجنه
أغارت على كل الفنون كتائبه
وحسبك رزء ما سمعت بمثله
ولا مر بي والدهر جم عجائبه
تبدد شمل العلم بعد اجتماعه
ونيبه خطب تحل نوائبه
لقد فجع الدين الحنيف بمفرد
تناهت به غاياته ومراكبه
قضى جده المختار في مثل يومه
بشهر ربيع واهب الفضل سالبه
وما ذاك إلا أنه في جواره
بجنة عدن وهو فيها مصاحبه
وما مات من أبقى لنا كل سيد
تزاحم هامات السماك مناكبه
ميامين سباقين في كل غاية
بهم خضعت من كل صعب مراكبه
نجوم سماء كلما انقض كوكب
بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
قصيدة يا ناقدا لكلام ليس يفهه
يا ناقدا لكلام ليس يفهه
من ليس يفهم قل لي كيف ينتقد
يا صاعدا في وعور ضاق مسلكها
أيصعد الوعر من في السهل يرتعد
يا ماشيا في فلاة لا أنيس بها
كيف السبيل إذا ما اغتالك الأسد
يا خائض البحر لا تدري سباحته
ويلي عليك أتنجو إن علا الزبد
كم راغب في سفاهي لا أسافهه
وباحث عن عيوبي وهو لا يجد
وحاسد لي على ما نلت لا برحت
منه الحشا بنيار الحسد تتقد
الذنب لي عند أهل الرفض كلهم
أني لهدم بيوت الرفض أحتشد
يا للرجال أيغدو الفدم بينكم
معظما وإمام العلم مضطهد
فلا سقى الله أرضا يستضام بها
أسد الشرى وبها يستأسد النقد
إني بليت بأهل الجهل في زمن
قاموا به ورجال العلم قد قعدوا
قوم يدق جليل القوم عندهم
فما لهم طاقة في حل ما يرد
وغاية المر عند القوم أنهم
أعدى العداة لمن في علمه سدد
إذا رأوا رجلا قد نال مرتبة
في العلم فوق الذي يدرونه جحدوا
أو مال عن زائف الأقوال ما تركوا
بابا من الشر إلا نحوه قصدوا
أما الحديث الذي قد صح مخرجه
كالأمهات فما فيهم لها ولد
تراهم إن رأوا من قال حدثنا
قالوا له ناصبي ما له رشد
وإن ترضى عن الأصحاب بينهم
قالوا له باغض للآل مجتهد
يا غارقين بسوم الجهل في بدع
ونافرين عن الهدي القويم هدوا
أفي اجتهاد فتى في العلم منقصة
النقص في الجهل لا حياكم الصمد
لا تنكروا موردا عذبا لشاربه
إن كان لا بد من إنكاره فردوا
وإن أبيتم فيوم الحشر موعدنا
في موقف المصطفى والحاكم الأحد
قصيدة الدر أهداه لي في المنظر البهج
الدر أهداه لي في المنظر البهج
أم الدراري أطاعته من الأوج
أم البدور بطي الطرس طالعة
أم الشموس توافينا بلا حرج
أم روضة صافحتها السحب فارتقصت
أغصانها لتغني الرعد بالهزج
أم النظام الذي في سلكه انتظمت
بلاغة بلغته أرفع الدرج
تقول في العلم صار المجد منحصرا
حقا فعن بحره التيار لا بعج
ثم انثنى مفردا بالذكر أحقر من
لا يعرف السبح في طام من اللجج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد
ذكرت ثم على ما فيك من عوج
أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه
قول المبشر بعد اليأس بالفرج
يا بن الأئمة دامت منك فائدة
تأتي إلينا وفيها أوضح الحجج
فكم أفادوا سواك منك شاردة
كانت وراء حجاب غير منفرج
ولجت أبوابها قبل المجيب ولو
رام الولوج ابتداء منه لم يلج
من لم يكن برياض العلم مبتهجا
عاش الزمان بحظ غير مبتهج
من لم يكن بعلوم الدين مشتغلا
لم يبرح الدهر في ضيق وفي حرج
العلم روح المعالي وهي إن حصلت
بدون علم بلا روح ولا مهج
كم من فتى تزدريه العين وهو إذا
أعياك معضل دين جاء بالفرج
ومن فتى تملأ الأبصار طلعته
لا يعرف الفرق بين المرج والمرج
قصيدة مضى غير مذموم زمان شبابي
مضى غير مذموم زمان شبابي
وما كان فقداني له بحسابي
مضى طاهر الأذيال ما شاب صفوه
قذى كدر أبداه فرط تصابي
تقضى بربع المكرمات مجانبا
مواطن لا تأتي بغير صواب
رباع علوم أو رياض فوائد
يدار بها ما درت كأس شراب
أدارس أترابي بها في مدارس
دروس حديث أو دروس كتاب
وأنشر في أرجائها من فوائدي
فرائد تجنيها اكف صحابي
وسل عن مقالي ذا المعالي جمالها
رئيس العوالي طاب كل مطاب
فريد بني الأيام في كل غاية
سعى نحوها من سل عضب قراب
فأضحى برغم الحاسدين بمنزل
يقصر عن أدنى مداه حسابي
ومن حجب الشمس المنيرة ضوءها
فما ضرها يوما طنين ذباب
جمال الهدى وافى نظامك رافلا
يرنح عطفا من بديع خطاب
وها أنا قد قبلته بمدائحي
لنفسي ومدح النفس لمع سراب
فإن كان حقا فهو غير محقق
وإن كان زورا فهو شر كذاب
قصيدة أيا بين كم كدرت صفو المشارب
أيا بين كم كدرت صفو المشارب
ويا هجر كم هيجت لوعة غائب
ويا دهر كم جرعتني فقد صاحب
بكأس النوى من بعده فقد صاحب
إلى الله أشكو ما جنته يد النوى
على كبدي والدهر جم العجائب
أحن إلى وصل تقادم عهده
وإن حنين المرء أحقر واجب
وأندب دهر الجمع بعد تفرق
وأبكي عليه بالدموع السواكب
فيا منزل اللقياء صافحك الحيا
بجود ملث أدكن الردن ساكب
بعيشك هل من عودة فرقة
تعود لصب مغرم القلب ذائب
أناخ عليه كلكل البين كله
وأنحى عليه الهجر من كل جانب
وصار حليفا للتلهف والأسى
ببين جمال الدين زين المواكب
فتى قد سما فوق السماك مكانه
سرادقه معقودة بالكواكب
له من طريف المجد كل طريقة
وتالده منه كريم المناسب
تبحبح في بحبوحة العز وارتدى
بمطرف مجد في صميم المناصب
وجلى بمضمار السباق وقصرت
لدى شوطه أبنا لؤي بن غالب
فيا سيدا ساد الورى بفعاله
وقام بربع المجد غير مراقب
أتاني نظام منك كالدر دونه
نظام همام أو سواد بن قارب
ووافى وأشغالي بها الدهر موثق
وشغل الفتى مغرى بمحو المناقب
وإسبال وبل الستر منك مؤمل
على ما ترى في طي ذا من مثالب
ودم يا بن خير الرسل في ظل نعمة
من الله إن الله أكرم واهب
ولا تنسني عند الدعاء فإنني
إلى دعوات منك أعظم راغب
قصيدة قد مد مطرفه السحاب
قد مد مطرفه السحاب
والغيث آن له انسكاب
والروض أصبح باسما
كالخمر يعلوه الحباب
والطير قد غنى على
دوح يصافحه الرباب
والنهر كالأفعى جرى
بين الرياض له انسياب
والزهر في ساحاته
كالزهر بينهما انتساب
لمجامر الأترج في
أرجاه عرف مستطاب
وغدا لثغر أقاحه
من بل وابله رضاب
عين الرقيب بأعين ال
منثور كان لها ذهاب
وعيون نرجسه لها
في قلب ناظرها عذاب
في معشر لهم العلى
والمجد إرث واكتساب
ولهم بكاس حديثهم
للعقل سحر واختلاب
كحلومهم وعلومهم
البر والبحر العباب
قصيدة دعي لومي على فرط الهواء
دعي لومي على فرط الهواء
وداوي إن قدرت على الدواء
وكوني عن سلوي في سلو
إذا أنوى الحبيب على النواء
أبانوا يوم بانوا عن فؤادي
عرى صبري فباتوا بالعراء
فلا حملت هوادجها الهوادي
ولا سمعت تراجيع الحداء
تخب بكل عامرة وقفر
وتخترق الموامي للتنائي
فأنحى جازر يوما عليها
وضرج قاديهما بالدماء
وناشتها السباع ومزقتها ال
قشاعم بين أدراج الفضاء
ويا حادي المطي ألا رثاء
وشر الناس معدوم الرثاء
حدوت فكم عقول طائشات
وأرواح تروح إلى الفناء
فلا رفعت يداك إليك سوطا
ولا نقلتك مسرعة الخطاء
تروعني ببين بعد بين
طويل في قصير من لقائي
أما بسوى الفراق لقيت قلبي
لتعلم في الحوادث ما غنائي
فإني إن ألم الخطب يوما
وضاق بحمله وجه الثراء
وطاشت عنده أحلام قوم
وحاد الآخرون إلى الوراء
أقوم به إذا قعدوا لديه
وأدفعه إذا أعيا سوائي
وما المرء المكمل غير حر
له عند العنا كل الغناء
تساوى عنده خير وشر
يرى طعم المنية كالمناء
يحوز السبق في أمن وخوف
ويكرم عند فقر أو غناء
تراه وهو ذو طمرين يمشي
بهمته على هام السماء
تقدمه فضائله إذا ما
تفاخر بالملا كل الملاء
ألا إن الفتى رب المعالي
إذا حققت لا رب الثراء
ومن حاز الفضائل غير وان
فذاك هو الفتى كل الفتاء
فما الشرف الرفيع بحسن ثوب
ولا دار مشيدة البناء
ولا بنفوذ قول في البرايا
فإن نفوذه أصل البلاء
فرأس المجد عند الحر علم
يجود به على غاد وجائي
إذا ما المرء قام بكل فن
قياما في السمو إلى السماء
وصار له بمدرجة صعود
إلى عين الحقيقة والجلاء
وهام لدفعن معضلة وحل
لمشكلة ورفع للخفاء
فذاك الفرد في ملإ المعالي
كما الفرد ابن يحيى في الملاء
فتى يهتز عطف الدهر شوقا
إليه لأنه رب العلاء
إذا ما جال في بحث ذكاه
تنحى عنه أرباب الذكاء
وإن ماراه ذو لدد أتاه
بما ينبته عن سوط المراء
تقاصر عن مداه كل حبر
لما يلقاه من بعد المداء
فيا من صار في سلك المعالي
هو الدر النفيس لكل رائي
وضمخ مسمع الأيام طيبا
كما قد طاب من حسن الثناء
وقام بغيرة الآداب يدعو
وفي يمناه خافقه اللواء
بلغت من العلو إلى مكان
تمكن في السمو وفي السناء
فعدت من البلاغة في محل
به الصابي يعود إلى الصباء
وصغت من القريض بنات فكر
دفعت بها الورى نحو الوراء
وجيه الدين دمت لكل فن
يبهرج فيه أهل الإدعاء
تذود الشائبين له بجهل
فيصفوا العلم عن شوب القذاء
علومك زانها سمت بهي
وحسن السمت من حلل البهاء
أتاني يا بن يحيى منك نظم
تعالى عن نظام أبي العلاء
على نمط الأعارب في لغات
وفي حسن الروي وفي الرواء
تحدى من تعاوره هموم
يعود بها الجلي إلى الخفاء
يعاني من خصوم أو خصام
خطوبا في الصباح وفي المساء
فحينا في صراخ أو عويل
وحينا في شكاء أو بكاء
وإن يصفو له وقت تراه
يوقع في رقاع الإدعاء
ويمضي الليل في نشر وطي
بأسجال قديمات البناء
وقفنا يا بن ودي في شفير
ومن راد الشفير على شفاء
بذا قد جاءنا نص صريح
فما ذاك السبيل إلى النجاء
فإن قلت النصوص بعكس هذا
أتتنا بالأجور وبالرجاء
كما في أجر من يقضي بحق
ويعمل باجتهاد في القضاء
ويعدل في حكومته برفق
ويلتف المكاره بالرضاء
ويلبس بالقنوع رداء عز
يطرزه بوشي الاتقاء
ويدرع التبصبر إن دهاه
من الخصمين داهية البلاء
فذاك كما يقول وأين هذا
هو العنقاء بين أولي النهاء
قصارى ما يراه بغير شك
مراء أو فضول من مراء
ومن لم يعقل البرهان يوما
فأنى تنتحيه في القضاء
إذا لم يفطن التركيب قاض
فقل لي كيف يفطن بالخطاء
ومن خفيت عليه الشمس يوما
فكيف تراه يظفر بالسهاء
ومن أعياه نورق من نهار
فكيف يروم إدراك الهباء
وهذي نفثة من صدر حر
أطال ذيلها صدق الإخاء
وأبرز ما يبوح به شجي
إلى أحبابه بث الشجاء
وأعظم مستفاد من عهاد
تواصلنا بأصناف الدعاء
ودم يا بن الأكارم في نعيم
عظيم في الصفات وفي الصفاء











