نازك الملائكة شاعرة عراقية وتعد من أهم شعراء العصر الحديث، اشتُهرت بأنها رائدةٌ في شعر التفعيلة فقد سجلت نازك في اللوائح ضمن رواد الشعر الحديث في العراق بعد صراع طويل دار بينها وبين الشاعر بدر شاكر السياب و شاذل طاقه وعبد الوهاب البياتي حول بداية كتابة الشعر الحر أو الحديث وفيما يلي شعر نازك الملائكة عن العراق
قصيدة شجرة القمر
على قمة من جبال الشمال كساها الصنوبر
وغلفها أفق مخملي وجو معنبر
وترسو الفراشات عند ذراها لتقضي المساء
وعند ينابيعها تستحم نجوم السماء
هنالك كان يعيش غلام بعيد الخيال
إذا جاع يأكل ضوء النجوم ولون الجبال
ويشرب عطر الصنوبر والياسمين الخضل
ويملأ أفكاره من شذى الزنبق المنفعل
وكان غلاما غريب الرؤى غامض الذكريات
وكان يطارد عطر الربى وصدى الأغنيات
وكانت خلاصة أحلامه أن يصيد القمر
ويودعه قفصا من ندى وشذى وزهر
وكان يقضي المساء يحوك الشباك ويحلم
يوسده عشب بارد عند نبع مغمغم
ويسهر يرمق وادي المساء ووجه القمر
وقد عكسته مياه غدير برود عطر
وما كان يغفو إذا لم يمر الضياء اللذيذ
على شفتيه ويسقيه إغماء كأس نبيذ
وما كان يشرب من منبع الماء إلا إذا
أراق الهلال عليه غلائل سكرى الشذى
وفي ذات صيف تسلل هذا الغلام مساء
خفيف الخطى عاري القدمين مشوق الدماء
وسار وئيدا وئيدا إلى قمة شاهقه
وخبأ هيكله في حمى دوحة باسقه
وراح يعد الثواني بقلب يدق يدق
وينتظر القمر العذب والليل نشوان طلق
وفي لحظة رفع الشرق أستاره المعتمه
ولاح الجبين اللجيني والفتنة الملهمه
وكان قريبا ولم ير صيادنا الباسما
على التل فانساب يذرع أفق الدجى حالما
... وطوقه العاشق الجبلي ومس جبينه
وقبل أهدابه الذائبات شذى وليونه
وعاد به ببحار الضياء بكأس النعومه
بتلك الشفاه التي شغلت كل رؤيا قديمه
وأخفاه في كوخه لا يمل إليه النظر
أذلك حلم؟ وكيف وقد صاد.. صاد القمر؟
وأرقده في مهاد عبيرية الرونق
وكلله بالأغاني بعينيه بالزنبق
وفي القرية الجبلية في حلقات السمر
وفي كل حقل تنادى المنادون أين القمر؟
وأين أشعته المخملية في مرجن؟
وأين غلائله السحبية في حقلن؟
ونادت صبايا الجبال جميعا نريد القمر
فرددت القنن السامقات نريد القمر
مسامرنا الذهبي وساقي صدى زهرنا
وساكب عطر السنابل والورد في شعرنا
مقبل كل الجراح وساقي شفاه الورود
وناقل شوق الفراش لينبوع ماء برود
يضيء الطريق إلى كل حلم بعيد القرار
وينمي جدائلنا ويريق عليها النضار
ومن أين تبرد أهدابنا إن فقدنا القمر؟
ومن ذا يرقق ألحانن؟ من يغذي السمر؟
ولحن الرعاة تردد في وحشة مضنيه
فضجت برجع النشيد العرائش والأوديه
وثاروا وساروا إلى حيث يسكن ذاك الغلام
ودقوا على الباب في ثورة ولظى واضطرام
وجنوا جنونا ولم يبق فوق المراقي حجر
ولا صخرة لم يعيدا الصراخ نريد القمر
وطاف الصدى بجناحيه حول الجبال وطار
إلى عربات النجوم وحيث ينام النهار
وأشرب من ناره كل كأس لزهرة فل
وأيقظ كل عبير غريب وقطرة طل
وجمع من سكرات الطبيعة صوت احتجاج
تردد عند عريش الغلام وراء السياج
وهز السكون وصاح لماذا سرقت القمر؟
فجن المساء ونادى وأين خبأت القمر؟
وفي الكوخ كان الغلام يضم الأسير الضحوك
ويمطره بالدموع ويصرخ لن يأخذوك؟
وكان هتاف الرعاة يشق إليه السكون
فيسقط من روحه في هوى من أسى وجنون
وراح يغني لملهمه في جوى وانفعال
ويخلط بالدمع والملح ترنيمه للجمال
ولكن صوت الجماهير زاد جنونا وثوره
وعاد يقلب حلم الغلام على حد شفره
ويهبط في سمعه كالرصاص ثقيل المرور
ويهدم ما شيدته خيالاته من قصور
وأين سيهرب؟ أين يخبئ هذا الجبين؟
ويحميه من سورة الشوق في أعين الصائدين؟
وفي أي شيء يلف أشعته يا سماء
وأضواؤه تتحدى المخابئ في كبرياء؟
ومرت دقائق منفعلات وقلب الغلام
تمزقه مدية الشك في حيرة وظلام
وجاء بفأس وراح يشق الثرى في ضجر
ليدفن هذا الأسير الجميل وأين المفر؟
وراح يودعه في اختناق ويغسل لونه
بأدمعه ويصب على حظه ألف لعنه
وحين استطاع الرعاة الملحون هدم الجدار
وتحطيم بوابة الكوخ في تعب وانبهار
تدفق تيارهم في هياج عنيف ونقمه
فماذا رأو؟ أي يأس عميق وأية صدمه
فلا شيء في الكوخ غير السكون وغير الظلم
وأما الغلام فقد نام مستغرقا في حلم
جدائله الشقر منسدلات على كتفيه
وطيف ابتسام تلكأ يحلم في شفتيه
ووجه كأن أبولون شربه بالوضاءه
وإغفاءة هي سر الصفاء ومعنى البراءه
وحار الرعاة أيسرق هذا البريء القمر؟
ألم يخطئوا الاتهام ترى؟ ثم... أين القمر؟
وعادوا حيارى لأكواخهم يسألون الظلام
عن القمر العبقري أتاه وراء الغمام؟
أم اختطفته السعالي وأخفته خلف الغيوم
وراحت تكسره لتغذي ضياء النجوم؟
أم ابتلع البحر جبهته البضة الزنبقيه؟
وأخفاه في قلعة من لآلئ بيض نقيه؟
أم الريح لم يبق طول التنقل من خفها
سوى مزق خلقات فأخفته في كهفها
لتصنع خفين من جلده اللين اللبني
وأشرطة من سناه لهيكلها الزنبقي
وجاء الصباح بليل الخطى قمري البرود
يتوج جبهته الغسقية عقد ورود
يجوب الفضاء وفي كفه دورق من جمال
يرش الندى والبرودة والضوء فوق الجبال
ومر على طرفي قدميه بكوخ الغلام
ورش عليه الضياء وقطر الندى والسلام
وراح يسير لينجز أعماله في السفوح
يوزع ألوانه ويشيع الرضا والوضوح
وهب الغلام من النوم منتعشا في انتشاء
فماذا رأى؟ يا ندى يا شذى يا رؤى يا سماء
هنالك في الساحة الطحلبية حيث الصباح
تعود ألا يرى غير عشب رعته الرياح
هنالك كانت تقوم وتمتد في الجو سدره
جدائلها كسيت خضرة خصبة اللون ثره
رعاها المساء وغذت شذاها شفاه القمر
وأرضعها ضوءه المختفي في التراب العطر
وأشرب أغصانها الناعمات رحيق شذاه
وصب على لونها فضة عصرت من سناه
وأثماره؟ أي لون غريب وأي ابتكار
لقد حار فيها ضياء النجوم وغار النهار
وجنت بها الشجرات المقلدة الجامده
فمنذ عصور وأثمارها لم تزل واحده
فمن أي أرض خيالية رضعت؟ أي تربه
سقتها الجمال المفضض؟ أي ينابيع عذبه؟
وأية معجزة لم يصلها خيال الشجر
ومرت عصور وما عاد أهل القرى يذكرون
حياة الغلام الغريب الرؤى العبقري الجنون
وحتى الجبال طوت سره وتناست خطاه
وأقماره وأناشيده واندفاع مناه
وكيف أعاد لأهل القرى الوالهين القمر
وأطلقه في السماء كما كان دون مقر
يجوب الفضاء وينثر فيه الندى والبروده
وشبه ضباب تحدر من أمسيات بعيده
وهمسا كأصداء نبع تحدر في عمق كهف
يؤكد أن الغلام وقصته حلم صيف
قصيدة البحث عن السعادة
قد بحثنا عن السعادة لكن
ما عثرنا بكوخها المسحور
أبدا نسأل الليالي عنها
وهي سر الدنيا ولغز الدهور
طالما حدثوا فؤادي عنها
في ليالي طفولتي وصبايا
طالما صوروا لعيني لقيا
ها وألقوا أنباءها في رؤايا
فهي آنا ليست سوى العطر والأل
وان والأغنيات والأضواء
ليس تحيا إلا على باب قصر
شيدته أيدي الغنى والرخاء
وهي آنا في الصوم عن متع الدن
يا وعند الزهاد والرهبان
ليس تحيا إلا على صخر المع
بد بين الدعاء والإيمان
وهي حينا في الإثم والمتع الدن
يا وفي الشر والأذى والخصام
ليس تصفو إلا لقلب دنيء
لآئذ بالشرور والآثام
وهي في شرع بعضهم عند راع
يصرف العمر في سفوح الجبال
يتغنى مع القطيع إذا شا
ء تحت الشذى والظلال
وهي في شرع آخرين ابنة العز
لة والفن والجمال الرفيع
ليس تحيا إلا على فم غري
د يغني أو شاعر مطبوع
وهي حينا في الحب يلهمها سه
م كيوبيد قلب كل محب
ليس تحيا إلا على شفة العا
شق يشدو حياته لحن حب
حدثوني عنها كثيرا ولكن
لم أجدها وقد بحثت طويلا
لم أزل أصرف الليالي بحثا
وأغني بها الوجود الجميلا
مر عمري سدى وما زلت أمشي
فوق هذي الشواطىء المحزونه
لم أجد في الرمال إلا بقايا ال
شوك يا للأمنية المغبونه
أين اصدافك اللوامع يا شط
إذن أين كنزك الموعود؟
هاته رحمة بنا هات كنزا
هو ما يرتجيه هذا الوجود
هاته حسب رملك البارد القا
سي خداعا لنا وحسبك هزءا
يا لحلم نريد منه اقترابا
وهو ما زال أيها الشط ينأى
لم تعد قصة السعادة تغر
يني فدعني على شاطىء الآهات
عبثا أرتجي العثور على الكن
ز فلا شيء غير صمت الحياة
أين من هذه الحياة ابتساما
ت الأماني ونشوة الأفراح؟
كيف يحيا فيها السعيد
وليست غير بحر تحت الدجى والرياح
طال بحثي يا رب أين ترى ذا
ك السعيد الجذلان أين تراه؟
ليس حولي إلا دياجير كون
ليس يفنى بكاؤه وأساه
كل يوم ميت يسير به الأح
ياء باكين نحو دنيا الظلام
يا لأسطورة الخلود فما الخا
لد غير القبور والآلام
يا دوي النواح في الأرض أيا
ن يكف الباكون والصارخونا؟
ومتى ينتهي الشقاء متى ير
تاح كون ذاق العذاب قرونا
عالم كل من على وجهه يش
قى ويقضي الأيام حزنا ويأسا
جرعته السنين حنظلها المر
فعاف الحياة عينا ونفسا
إيه أسطورة السعادة هاتي
حدثيني عن سرك المنشود
أين ألقاك؟ أين مسكنك المر
موق؟ في الأفق أم وراء الوجود؟
سرت وحدي تحت النجوم طويلا
أسأل الليل والدياجير عنك
أسفا لم أجدك في الشاطىء الصخ
ري حيث المياه تفتأ تبكي
حيث تبقى الأشواك والورد يذوي
تحت عين الأيام والأقدار
حيث يفنى الصفاء والليل يأتي
بجنون الأنواء والأعصار
حيث تقضي الأغنام أيامها غر
ثى ولا عشب في جديب المراعي
أبدا تتبع السراب وتشكو
بخل دهر مزيف خداع
حيث يحيا الغراب والبلبل المو
هوب يهوي في عشه المضفور
ويغني البوم البغيض على الدو
ح ويثوي القمري بين الصخور
حيث تبقى الغيوم في الجو رمزا
لحياة سوادها ليس يفنى
حيث تبقى الرياح تصفر لحنا
هو سخرية المقادر منا
حيث صوت الحياة يهتف بالأح
ياء ماذا تحت الدجى تبتغونا؟
انظروا كل ما على الأرض يبكي
فأفيقوا يا معشر الحالمينا
قصيدة بين قصور الأغنياء
سرت بين القصور وحدي طويلا
أسأل العابرين أين الطروب؟
فإذا فتنة القصور ستار
خادع خلفه الأسى والشحوب
لم أجد في القصور إلا قلوبا
حائرات وعالما محزونا
ليس إلا قوم يضيقون بالأي
ام ضيق الجياع والبائسينا
ليس ينجيهم الغنى من يد الأش
جان ليست تنجيهم الكبرياء
ليس يعفو الممات عنهم فهم حز
ن وصمت وحيرة وبكاء
كم وراء القصور من مقل تب
كي وتشكو قساوة المقدور
كم قلوب تود أن تبدل القص
ر بكوخ على حفاف الغدير
إن يكونوا نجوا من الجوع والفق
ر ولم يفترسهم الحرمان
فلقد طالما أحسوا بجوع ال
روح واستعبدتهم الأحزان
إن يكونوا يقضون أيامهم بي
ن الحرير الملون الجذاب
فغدا تعبر الدهور وهم مو
تى على الشوك والحصى والتراب
إن يكن في قصورهم من سنا الأض
واء ما يرجع الظلام ضياء
فغدا يخمد الضياء وتبقى
ظلمة الليل بكرة ومساء
ليس تنجي القصور من ربقة الحز
ن إذا طاف بالقلوب دجاه
كم غني يقضي الحياة شقيا
مغرقا في أنينه وبكاه
كل ما في هذا الوجود من الأم
وال لا يستطيع دفع الشقاء
كل تلك الكنوز ما غمرت قط
غنيا بساعة من هناء
يا طريقي مل بي العشية ما عا
د جمل القصور يحلو لعيني
لم أجد ومضة السعادة فيها
لم أجد غير ظل يأس وحزن
قصيدة عند الرهبان
سر بنا نحو ذلك المعبد القا
ئم فوق الصخور بين الجبال
سر بنا سر بنا لعل لدى الره
بان سر النعيم والآمال
هؤلاء الزهاد في القنة البي
ضاء حيث الصفاء ملء الوجود
علهم يعرفون ما قد جهلنا
عن شهاب السعادة المفقود
قد سألت الرهبان عن كنزنا السح
ري لكن لم ألق منهم جوابا
لم يجبني منهم سوى صوت محزو
ن يغني ويجرع الأوصابا
لم أجد في تلك الصوامع غير ال
أوجه الشاحبات والديجور
لم أجد غير وحشة تبعث اليأ
س وصمت كمثل صمت القبور
هؤلاء الأشباح ماذا تراهم ؟
آدميون أم بقايا طيوف
فيم جاءوا وأية سلوى
وجدوها ما بين هذي الكهوف
في بعيد الآفاق تحت دياجي
ر وجود تمشي الكآبة فيه
حيث ما زالت الحياة كما كا
نت على عهد آدم وبنيه
حيث لا زهر لا عرائش لا أش
جار لا شيء غير هذا السكون
لا جديد فيه سوى موت حي
من بنيه ما بين حين وحين
أيها الراهب الذي يقطع العم
ر وحيدا في كوخه المكفهر
هات حدثني العشية عما
عند دنياك من نعيم وبشر
حدثوني عنكم فقالوا حياة
من نعيم وأنفس من نقاء
عجبا أين ما يقولون ؟ما لي
لا أرى غير حيرة الأشقياء
ما الذي عندكم من البشر والأف
راح؟ ماذا يا أيها الزاهدونا؟
ليس إلا عمر يمر حزينا
يتهاوى كآبة وسكونا
حدثوني عنكم فقالوا قلوب
نسجت من نقاوة وثراء
ونفوس صيغت من الزهر والعط
ر وهامت مع السنا والنقاء
أين هذا الذي يقولون عنكم
أيها الراهبون؟ أين تراه؟
اسم تاييس لم يزل يملأ الكو
ن فأين الذي أضلت خطاه؟
ما نسينا غواية الراهب المس
كين في حبها وكيف هداها
يا له بائسا سما بابنة الإث
م إلى قمة السماء وتاها
أيها الراهبون لن تنبت الأز
هار والعطر والسنا في النفوس
عبثا تهربون من مغريات ال
عيش كم في الوجود من تاييس
لن تذوقوا شهد السعادة ما دم
تم أناسي من تراب وماء
كتبت هذه الطبيعة للأح
ياء أن يكرعوا كؤوس الشقاء
أو تنسون أنكم لم تزالوا
مثلما كنتمو حيارى حزانى
لم تزل فتنة الوجود تنادي
كم وتهفيكم إلى ما كانا
لم تزل ذكريات أمسكم المه
جور تحيا في الأنفس المحزونه
وخيال من عالم فاتن الأل
وان ملء المشاعر المغبونه
أيها الراهبون ماذا إذن نف
ع اعتزال تشوبه الصبوات
آه عودوا إلى مصارعة الده
ر وعيشوا كما تشاء الحياة
أيها المعبد الحزين وداعا
أنت يا من لاذت به آمالي
لم أجد في حماك زهرة أحلا
مي فيا ضيعة السرى والكلال
لم أجد زهرة السعادة والأف
راح عند الزهاد والراهبينا
آه ضاعت أيام عمري وما زا
ل شراعي يطوي فراغا حزينا
عند شط الحياة ألقيت مرسى
زورقي في الضباب تحت الظلام
أرقب السائرين في الشاطىء الصخ
ري بين الوهاد والآكام
أين ألقاك يا سعادة ؟هاتي
حدثيني فقد بحثت طويلا
طال تيهي فنبئيني متى يب
لغ قلبي مقرك المجهولا
أو لم أقطع البحار إلى الره
بان والزاهدين في الصحراء
أو لم تنكر الفضيلة ألوا
نك يا لهفتاه ضاع رجائي
قصيدة مع الأشرار
قد رقبت الأشرار حينا فلم أع
ثر لديهم على سناك الحبيب
فهم البائسون تطحنهم أي
دي الليالي بما جنوا من ذنوب
ورأيت الطغاة يحيون محزو
نين بين الأوهام والأشباح
ليس يشفيهم من الحزن واليأ
س دواء فالداء في الأرواح
فإذا أخمدوا هتافات مظلو
م فما يخمدون صوت الضمير
ذلك الراقب الإلهي في النف
س لسان الهدى وصوت الشعور
أبدا ساهر يراقب أقدا
ر الليالي وسطوة الأيام
أبدا يرمق الحياة من الأع
ماق مستهزئا من الأعوام
فإذا حادت القلوب عن الخي
ر علا صوت ذلك الجبار
فهو الناقم النبيل على الشر
وقاضي الطغاة والأشرار
كيف ينجو الأشرار من شقوة الرو
ح وصوت الضمير بالمرصاد
لا ملاذ من حاكم يملك الرو
ح بما في كفيه من أصفاد
عجبا أين تلتقيك حياتي؟
يا ضفاف السعادة المنشوده؟
جبت هذا الوجود أبحث لكن
لم تزالي الحقيقة المفقوده
جهلتك الدنيا فلا أحد يع
لم ما أنت واقع أم خيال؟
كلهم يسألون عنك ولكن
لم تحدث بسرك الآزال
ها أنا ذي حملت قلبي على كف
ي وسرت الحياة أبحث عنك
أسأل العابرين هل فيهم من
قد روى قلبه المشوق منك
قصيدة في الريف
عند هذي الأكواخ شاعرتي أل
قي المراسي تحت الفضاء الصاحي
أنظري أي عالم فاتن المج
لى بعيد عن ضجة الأتراح
أنظري علنا بلغنا أخيرا
ذلك الشاطىء الذي نتمنى
بعد ليل من المسير طويل
ضاع فيه عمري كلالا وحزنا
أنظري أنظري هنا العشب الأخ
ضر نشوان في سفوح الجبال
عند نبع من قنة الجبل الأب
يض يجري تحت السنا والظلال
الصباح الجميل قد توج الود
يان بالضوء والجمال البهيج
ما أحب الحياة في هذه الجن
ة تحت الضياء بين المروج
ما أحب الصفاء يحتضن الأش
جار والواد النضير الخصيبا
ما أرق الأزهار في مهدها الور
دي ما أعطر الربى والسهوبا
كل شيء في هذه الجنة الحل
وة يوحي بأننا قد وصلنا
ها هنا شاطىء السعادة هذا
حلم قلبي فما ألذ وأهنا
فلنطف بالعرائش الخضر فلنغ
نم صفاء الحياة بعد أساها
فلتجف الدموع فليمض أمس
مر بالقلب باكيا أواها
ولنعش للصفاء يفتن دنيا
نا غناء الرعاة عند الجبال
ونشيد تديره شفتا طف
ل يغني على تلول الرمال
وقطيع الأغنام في المرج تحت الظ
ل والفجر والندى والنسيم
وليالي الحصاد والقمر السحر
ي والطيف والصدى والغيوم
فلنقض الحياة في هذه الجن
ة ناسين حادثات الحياة
ها هنا فتنة الطبيعة تنجي ال
كائن الحي من خيال الممات
ها هنا أستطيع أن أفهم السر
ففيم الأسى وفيم البكاء؟
خل خلت هذه المجالي من الأغ
نام يوما؟ وهل تعرى الفضاء؟
ها هنا يستطيع أن يفهم القل
ب جمال الدنيا وسر الخلود
كل حي باق فإن مات غري
د فكم في الأعشاش من غريد
ها هنا كل زهرة تبعث العط
ر فإن تفن فالشذى غير فان
كم زهور ستنشر العطر والأل
وان من بعد في فضاء المغاني
ها هنا إن يسر أبولو بضوء الش
مس نحو المغيب كل مساء
فالنجوم الملألئات جمال
شاعري الألوان والأضواء
ها هنا تنطق العرائش بالشع
ر وتحنو على مجاري الجداول
ها هنا تستحم آلهة الأن
هار في الماء تحت ظل الخمائل
كل شيء حلو فاين ترى السك
ان؟ أين الفلاح والقطعان؟
فيم لا يملأون عالمهم له
وا ؟ وأين الآمال والألحان؟
سرت فيه وحدي وحدي أسائله عن
ساكنيه وأي واد حواهم؟
أي لحن يرنمون إذا الشم
س أطلت؟ وما ترى نجواهم؟
كيف يحيون في صفاء من العي
ش بعيد عن قسوة الضراء
أأظلتهم السعادة بالأح
لام أم هم كسائر الأشقياء
اتراهم يرنمون الأغاري
د ويلهون في ليالي الحصاد
تحت ضوء النجوم والقمر البا
سم بين العطور والأوراد
أتراهم أولئك البشر اللا
هون بين الجمال والأحلام؟
أتراهم كما تخيل قلبي؟
أم تراني أمعنت في اوهامي
يا رعاة الأغنام في السفح عند الن
بع بين العرائش السندسية
حدثوني عن أغنياتكم الجذ
لى وعن بسمة القرى الشاعريه
حدثوني عن الربيع إذا مر
على هذه القرى والشطوط
حدثوني عن الحصاد ومجنى ال
زهر والبرتقال والبلوط
حدثوني ما لي أراكم حزانى ؟
كل راع في وحشة واكتآب
كل راع جهم الملامح لا يش
دو ولا يزدهيه سحر الغاب
أنت يا أيها الحزين أجبني
أي حزن في مقلتيك أراه؟
أي قيد من المرارة واليأ
س أظلتك يا كئيب يداه؟
كيف يشقى من في حمى هذه الجن
ة يحيا وتحت هذي السماء
كيف يشقى الراعي وبين يديه
جنة من مفاتن وضياء
أسفا قد خدعت لم تصدق الأح
لام فيما رسمن من أفراح
لم أجد عند ذلك الشاحب
الصامت إلا مرارة الأقداح
فهو عند الينبوع ينظر في الظل
إلى الأفق شاحبا مصدوما
ممعنا في الجمود والصمت كالمو
تى يناجي الفضاء يرعى الغيوما
لم تزل قربه على العشب النا
دي عظام لكائن مقتول
هو ذاك الراعي الصغير الذي را
ح طعاما للذئب بين الحقول
إيه راعي الأغنام يا أيها المق
تول فوق العشب الندي النضير
كيف مات الراعي ولم تمت الأغ
نام يا للمقدر المسطور
يا لحكم الأقدار يا راعي الأغ
نام يا ظلم ما تريد الصروف
كيف تفنى الأشواك حارسة الزه
ر ويبقى الورد الرقيق الضعيف؟
إنها قصة الطبيعة يا را
عي قتال وأدمع وشكاة
إن تكن قد قتلت فالثأر باق
وغدا تقتل الذئاب الرعاة
نازعتنا البقاء في هذه الأر
ض وحوش الأحراش والأطيار
فلنا النصر مرة ولهم أخ
رى كما تبتغي لنا الأقدار
فعزاء يا أيها الجسد المص
روع في غمرة الكرى الأبدي
قد بكاك الراعي الصديق وما زا
ل غريقا في حزنه الأخوي
لم يزل جامدا على حافة النب
ع وفي مقلتيه دمع الشجون
يرقب الماء شاكيا قسوة الأق
دار مستنكرا ضلال المنون
صامتا ساهما بعيدا عن الأغ
نام حيران في ضباب الوجود
رازحا تحت وطأة الألم الطا
غي مشيحا عن الشذى والورود
كلما جف دمعه ذكر المق
تول والذئب فاسترد أساه
يا لأحزانه الملحات يا لل
هول ماذا ترى يعيد صفاه؟
السنا والجمال؟ يا حيرة الرا
عي ويا ضيعة السنا والجمال
بعد حين ستعصف الريح بالصف
صاف والورد في سفوح الجبال
بعد حين يأتي المساء كئيبا
ويلف الجبال بالأحزان
ويسود السكون غير هتاف
رددته ضفادع الغدران
غير صوت النشيج في قرية الرا
عي تعالى تحت الدجى المنشور
غير صوت القدوم يعمله الحف
ار في الأرض بين صمت القبور
ثم يمضي الليل العميق إلى غي
ر رجوع وتبسم الأضواء
ويعود القمري يصدح جذلا
ن كأن ليس في الحياة شقاء
غير دار ماذا يعذب أهل ال
قرية البائسين من آلام
غير دار ما خلف أكواخهم من
رعشات ولوعة وسقام
ليس يدري القمري لا ليس يدري
ما وراء الأكواخ من حرمان
ليس يدري أن الطبيعة تقسو
ليس يدري مرارة الأحزان
ليس يدري ماذا وراء بيوت الط
ين هذي من وحشة وظلام
ليس يدري ماذا يهز الخيام ال
سود من لهفة ومن آلام
ليس يدري القمري ما يحزن الف
لاح في كوخه وليس يراه
ليس يدري أن الأماسي قد تم
ضي عليه وما يغيب أساه
ليس يدري ما يفعل الجوع والحز
ن بأهل الأكواخ كل شتاء
حينما تغمر الثلوج ثرى المر
ج وتطغى عواصف الأجواء
حينما في حضائر القرية الحي
رى يموت القطيع موت غبين
حينما تذبل العواصف زهر ال
لوز والبرتقال والياسمين
حينما تدفن الثلوج حقول ال
قمح يا رحمتاه بالفلاح
حينما يصرخ الجياع الحيارى
في ظلام الأكواخ كل صباح
أيها الصادح المغرد فوق ال
دوح طر عن هذا الوجود الأليم
دع أساه يا طير لي أنا وحدي
واحي أنت الجذلان بين الغيوم
دعه لي دع آمال قلبي تذبل
بعد بحثي الطويل في الكون عنها
دع فؤادي يعد إلى ظلمة الأح
زان واخلص يا بلبلي أنت منها
خيبت هذه القرى حلو أحلا
مي فلا رسم للسعادة فيها
ليس يدري الراعي المعذب مأوا
ها ولا كان مرة من بنيها
خدعتني الأوهام ليس لدى الرا
عي رخاء الحياة ليس لديه
فهو ذاك المكدود تصهره الشم
س ويقسو الحصى على قدميه
يتمنى أن لو تبدل بيت الط
ين قصرا على حفاف المدينه
ويريد الحياة لهوا فلا أغ
نام تثغو ولا نفوس حزينه
يا لوهم المسكين كم من شقي
في ظلال القصور كم مصدوم
ليس للمال أن يذيق فؤادا
بشريا معنى الرضى والنعيم
يا سفيني ما عاد في القرية الحل
وة مرسى لنا ففيم البقاء
ليس تحت الصفصاف إلا بيوت الط
ين والسقم والطوى والبكاء
أقلعي أقلعي بنا قد سئمنا
صرخات الجياع في كل شعب
قد رأينا الدموع في كل عين
وشهدنا الشقاء في كل قلب
ما الذي يا سفين يغري بأن نب
قى إذن؟ ما الذي ترى يبقينا؟
هل وجدنا طيف السعادة هل في
هذه الأرض فرحة تغرين
قصيدة بين الفنانين
انشري يا سفين أشرعة السي
ر وشقي عباب هذي الحياة
ثم ارسي بنا على شاطىء الفن
وبين الأشعار والأغنيات
علنا واجدون في ذلك الشا
طيء ظل السعادة المتمنى
علهم قد ترشفوا شهدها السا
حر حتى صاغوه شعرا وفنا
طالما صوروا لألحانهم ما
قد دعوه بنشوة الفنان
طالما حدثوا عن الأمل الحل
و وغنوا بالنور والألوان
فلنقف عندهم إذن ولنراقب
ركب أيامهم وكيف تمر
أتراها ليل ودمع وحزن؟
أم تراها فجر وضحك وبشر؟
قصيدة مأساة الشاعر
قد هبطنا في شاطىء الشعر والفن
فماذا فيه من الأفراح؟
ها هو الشاعر الكئيب وحيدا
تحت سمع الآصال والأصباح
أبدا ساهم يراقب أيا
م حياة لا تنقضي بلواها
لا يرى الواهمون غير ضحاها
ويعيش الفنان تحت دجاها
يرقب الأشقياء في ظلمة العي
ش ويبكي لهم بكاء غبين
ويصوغ الألحان يرثى لبلوا
هم ويبكي على الوجود الحزين
طالما بات ساهد الطرف حيرا
ن يسر الظلام أحزان شاعر
لا يرى في الحياة إلا وجودا
ظللته يد الشقاء العاصر
أبدا لا يرى سوى مسرح المأ
ساة بين الدموع والتنهيد
وستارا من الدجى يتجلى
كل يوم عن ميت ووليد
واكتئابا يمشي على صور الكو
ن جميعا ولوعة وشقاء
ودموعا تلوح في كل عيني
ن ودهرا يخادع الأحياء
ليس يلقى الحياة إلا حزين ال
قلب حيران في هموم الحياة
كلما أن بائس ذرف الشا
عر دمع الأسى على المأساة
وإذا أذبل الجليد زهو ال
لوز ران الأسى العميق عليه
وإذا ماتت البلابل ظمأى
جال دمع الرثاء في مقلتيه
فهو قلب قد صيغ من رقة الزه
ر وعين قد طهرت بالدموع
وحياة حساسة ليس يدري
سرها غير شاعر مطبوع
هي عمر ظمآن تعصره العز
لة عصرا يمر كالآزال
في سكون لا صوت يسمع فيه
غير صوت الصرار تحت الليالي
غير همس الحمام في الجبل المو
حش أو لحن بلبل مهجور
وحفيف الأشجار في قبضة الر
يح وصوت الرعود في الديجور
غير همس الأشباح ملء دجى الشا
عر في ليله الطويل الجديب
يتلقى الأشعار عنها ويحيا
أبدا في حمى الأسى والشحوب
أيها الشاعر الذي يسهر اللي
ل وحيدا مستغرقا في الجمود
محرقا روحه بخورا على حب
أبولو ووحيه المنشود
ساهدا حانيا على القلم الشا
عر يرثي الدجى ويبكي السنينا
راسما للحياة صورتها المر
ة بين الجياع والبائسينا
أطفىء الضوء أيها الشاعر المت
عب وارحم فؤادك الموجوعا
كاد يخبو ضوء السراج وتأتي
ظلمات الدجى عليه جميعا
رقد العالم المعذب تحت ال
ليل فارقد واترك بقايا النشيد
حسبك الآن ما سهرت مع الحا
رس ترثي لليله المكدود
قد أوى الحارس الكئيب إلى الكو
خ إلى غمضة الكرى والطيوف
فكفى يا حزين عطفا على الكو
ن ورفقا بقلبك الملهوف
عجبا كيف تسهر الشاعر المل
هم أحزان من عن الحزن ناموا
كيف ترقا مدامع الورد في الحق
ل ويبكي على أساها الحمام
آه يا شاعري المعذب ماذا؟
أكذا تصرف الحياة غبينا؟
في سبيل الوحي السماوي تحيا
شاحب الوجه متعبا محزونا
بعت بالشعر لهو أيامك الظمأ
ى وعفت الحياة عينا وقلبا
ونذرت الشباب والحب للفن
لتحيا على الجراح محبا
ليس يعنيك أن ترافقك الأح
زان ما دمت ملهما صداحا
ليس يرضيك غير تغني
ه وإن صغته أسى ونواحا
ليس تعطي الحياة للشاعر المج
د إذا لم يذق هموم الحياة
ليس تسمو الأرواح إن لم تطهر
ها معاني الدموع والآهات
فإذا أشحب الأسى وجنة الشا
عر أو بات ليلة أواها
وإذا عض قلبه مخلب الحز
ن وضاقت حياته بأساها
خاطبته الحياة يا شاعري المل
هم يا ابن الشحوب والآلام
النجوم الوضاء لا تبعث السح
ر إذا لم يسدل ستار الظلام
والذي يجمع الزهور يدوس ال
الشوك يا شاعري ويمشي عليه
والذي يعشق الطبيعة لا يث
قل صمت الدجى على مسمعيه
فاحتمل ما استطعت أحزان عمر
هو لولا الأحزان ما كان شيا
وادفن النور في جفونك ميتا
وابعث الشعر من فؤادك حيا
غن هذا العذاب صف لحياة الن
اس ماذا يبكي فؤاد الشاعر
صف لهم كيف يصرف العمر حيرا
ن ويحيا على أساه العاصر
صف لهم ذلك الصراع صراع ال
فكر والقلب في ظلام الحياة
كلما أخفت النعيم صراخ ال
قلب ضج الفكرالأبي العاتي
فهما في حياته نبع أحزا
ن يرد الحياة أفقا كئيبا
وهما الثائران لا بد من صو
تهما وليكن دما ولهيبا
شرعة الفكر أن يغرد بالشع
ر ويشدو وإن يكن محزونا
ومناه السمو للعالم الأع
لى وأن يلق في الطريق المنونا
فهو أفق حر يريد حياة ال
عقل في معزل عن الإحساس
وسواء لديه أن يشجب الشا
عر أو أن تقسو عليه المآسي
أفليس الشحوب والألم العا
صر نبعا للشعر والألحان
أو لا تقنع الحياة من الشا
عر باللحن في حمى الحرمان؟
فيم كان الصراع يبعثه القل
ب إذن فيم؟ فيم لا يطمئن
فيم يأبى الحياة في وحشة العز
لة والفكر فيم يمضي يئن؟
هكذا تصرخ الخواطر بالشا
عر في ليله فإن جاء فجر
ورأى الراعي الصبي يسوق ال
غنم الظامئات لم يبق شعر
ومضى القلب صارخا أين حبي؟
أين لهوي؟ وفيم أبقى أسيرا
أبدا لا أني أضحي بأفرا
حي وأحيا ذاك الحزين الكسيرا
من بكائي تصوغ شعرك للكو
ن ومني المنى ومني الحنين
من دمي هذه الملاحم فارحم
ني أنا العاشق الشجي المغبون
انطلق بي دعني أذق فرحة الحب
لعلي من الشقاء أفر
ما غناء الأشعار يا شاعري المت
عب إن كانت الحياة تمر؟
ليس يغني عنك النشيد إذا مت
حزينا وليس يرويك لحن
لا تقل في غد غد ندم قا
س على ما مضى ويأس وحزن
تحت ثقل الثرى وفي وحشة المو
ت سيخبو هذا النشيد ويفنى
فإذا لحنك الذي صغته يأ
سا وحزنا للناعمين يغني
وستنسى أنت الذي ملأ الدن
يا جمالا ومات ظمآن جهما
وسيبلى التراب ما يتبقى
منك يا مستطار لحما وعظما
ثم ماذا ؟ غدا يقولون قد كا
ن فتى بيننا طواه الهزال؟
ما رأينا منه سوى طيف إنسا
ن فقدناه واصطفاه الخيال
سيقولون شاعر ركبته
لوثة فانزوى وعاش غريبا
أبدا يرقب الفضاء يصيد الن
جم أو يحصد الظلام الكئيبا
يرمق الزهر من بعيد وفي عي
نيه أحلام عاشق ولهان
جامدا قانعا بعذري حب
يكتفي بالعطور والألوان
أيها الشاعر السجين كفانا
غربة في حياتنا ووجوما
حسبك الآن ما خضعت لصوت
العقل وارحم شبابك المحروما
ويمر النهار والشاعر المغ
بون حيران بين فكي أساه
بين همس الصوتين يحيا كئيبا
ويناجي طيوفه ومناه
فإذا جاش قلبه بمعاني ال
يأس ألقى أحزانه في النشيد
لائذا باليراع يسكب فيه
ما يعاني من العذاب الشديد
ساكبا روحه على كل بيت
ناحتا من فؤاده الألحانا
راضيا بالشحوب والسقم حبا
لأبولو مستسهلا ما كانا
كل بيت من شعره يتقاضا
ه شحوبا ورعشة وسقاما
فهو في لحنه يذيب صباه
ويضيع الشباب والأحلاما
ثم ماذا؟ سرعان ما يزأر الإع
صار والزهرة الجميلة تذوي
وإذا الضوء في الأعالي يخبو
وإذا النجمة الوضيئة تهوي
ويغيب الضياء في ليل قبر
ليس تبكي له سوى الأمطار
ليس يرثيه غير ذاوي صباه
وبقايا القيثار والأشعار
ذلك الشاعر الذي كان يحيا
عمره باكيا على كل باك
ذلك العاطف النبيل على الأح
زان ذاك الملقى على الأشواك
نبذته الأيام في قبره المو
حش تحت الرياح والظلمات
حيث لا آهة يصعدها قل
ب ولا دمعة على المأساة
هكذا في العذاب تمضي حياة الش
اعر الملهم الرقيق وتنسى
هكذا يملأ الوجود جمالا
ويذوق الآلام كأسا فكأسا
هكذا كل شاعر فارحلي بي
يا سفيني عن عالم الشعراء
ولندعهم في ذلك الشجن العا
صف بين الآهات والأدواء
ولنسر في بحر الحياة كما كن
ا ونلقي المرسى على كل ساحل
ربما يا سفين نلقى ضياء
يتجلى بعد الظلام القاتل
قصيدة عند العشاق
ربما كان في حياة المحبي
ن رجاء أو دفقة من ضياء
ربما كان عندهم ذلك الإك
سير بين الخيال والأهواء
شاطىء الحب أيها اللامع الخا
دع هات الحديث عن أبنائك
صف مناهم وبشرهم وأساهم
صف لنا ما اختفى وراء صفائك
صف لنا كيف يعصر العاشق الشو
ق إلى من ينام عن بلواه
كيف يلهو به الخيال فيمضي ال
ليل سهران غارقا في مناه
صف حياة الذي استبد به الحب
فخال الحياة جنة سحر
ومضى فاتحا ذراعيه للنو
ر يصوغ الحياة ديوان شعر
يلثم الزهر في الحقول ويشدو
لليالي الحصاد لحن هواه
راقصا كالفراش للقمر الحل
و خليا من يأسه وأساه
راسما للغد الجميل من الأح
لام ما لا تطيقه الأقدار
سادرا في أوهامه غير دار
أن هذي الحياة هول ونار
في يديه كأس الرحيق يغني
ه على مسمع النهار ويشرب
وعلى ثغره ابتسامة مخدو
ع يغني له الشقاء فيطرب
ثم يخبو الضياء ذات مساء
ويفيق النشوان بالأوهام
فإذا الحقل ذابل لا زهور
لا فراش لا شيء غير الظلام
أين تلك الأحلام؟ كيف ذوى الحب؟
وأين الوجه الحبيب النضير
يا لغدر الأيام لم تحفظ العه
د لقلب جنى عليه الشعور
وتمر الحياة والعاشق المه
جور قلب دام ووجه شاحب
أبدا يرجع الخيال إلى الما
ضي ويبكي على الغرام الذاهب
أبدا يرمق الحياة كئيبا
من وراء الدموع والأحزان
ويراها الذئب الذي ينهش القل
ب ويقسو على الأسى الإنساني
أبدا يسأل الظلام حزينا
شارد الفكر أين ألحان قلبي
أين زهري وأين بلبلي المن
شود؟ ماذا أضاع أحلام حبي؟
أين تلك التي سكبت عليها
من حياتي ومن فؤادي ولحني
أين تلك العيون تلهم أحلا
مي وتمحو غشاوة الحزن عني؟
يا لقلب المسكين تلذعه الذك
رى وتحيي غرامه وأساه
هكذا قد قضى عليه كيوبي
د فماذا تفيده شكواه؟
فليجد في الخيال والشعر والذك
رى دواء لحبه المصدوم
وليقض الحياة بين حقول ال
قمح والقطن تحت ضوء النجوم
وليحب الغيوم والفجر والنه
ر ويمضي الأيام بين التلال
يتغنى فيعشق الزهر موسي
قاه عند الهوى وفوق الجبال
فحياة الخيال أجمل من وا
قع حب ملفع بالرماد
وهنا يا مصدوم حرية الرو
ح فماذا يغريك بالأصفاد
سل كيوبيد عن شقاوة صرعا
ه وماذا يلقون من تعذيب
كيف يحيون في جحيم من الشك
وليل من الضنى والشحوب
إن قضت بالحرمان أيامهم عا
شوا حزانى معذبين حيارى
يشتكون الأقدار والزمن العا
تي ويحيون أشقياء أسارى
وإذا ما تحقق الحلم العذ
ب أشاحوا عن سحره كارهينا
ويعود الضياء ليلا دجيا
وتعود الأزهار شوكا وطينا
هكذا يخمد الغرام وتخبو
شعلة الحب والمنى والحنين
فالسعيد السعيد من دفن الحب
وعاش الحياة غير سجين
يا دموع العشاق قد شبع العا
لم بؤسا فلا تزيدي أساه
قد ملأنا الكون الجميل دموعا
وشبعنا من صمته ودجاه
فانضبي أنت حسبنا شجن العي
ش وبلوى الحياة والأيام
حسب هذي الأرض الكئيبة دمع ال
بائسين الجياع والأيتام
انضبي واطردي خيال كيويب
د وحسب الغرام هذي الضحايا
لن ينال العشاق يوما سوى أد
مع حب حفت سناه المنايا
قصيدة قيس وليلى
كيف مات المجنون؟ هل سعدت لي
لى؟ سلوا هذه الصحاري الحزينة
اسألوها ما حدث الريح قيس ال
أمس ليلا وكيف عاش سنينه
ذلك الشاعر الشريد الخيالي
صديق الظباء في الصحراء
ونجي الرمال والوحش والبي
د وطيف الشحوب والأدواء
سحق الحب قلبه المرهف الغض
فعاش الحياة دون مقر
فوق تلك الرمال ينشد أشعا
ر هواه لكل هوجاء تسري
راسما فوق صفحة الرمل ما
كا ن من الشوق والأسى والحنين
لاثما كل موضع خطرت لي
لى عليه في ماضيات السنين
يوم كانت ترعى الشياه ويرعى
قيس أغنامه فتشدو ويشدو
وتدوي باللحن تلك الرمال ال
سمر حيث الظباء تلهو وتعدو
يوم كانت يا لهفة الشاعر العا
شق ماذا قد أبقت الأقدار؟
نضبت فرحة الصبا وذوى الوا
دي وجفت في رحبه الأزهار
وتبقى قبر على قدم التل
ذوت تحته معالم ليلى
وحنت فوقه شجيرة ورد
تخذتها الأشلاء في القبر ظلا
وتبقى قيس المعذب يبكي
ما تبقى من عمره المصدوم
راقدا عند حافة القبر لا يف
تأ يشكو إلى الصبا والغيوم
يتمنى ليل المنايا ويدعو
ه إليه بأعذب الأسماء
ويغني للموت أجمل ألحا
ن هواه تحت الدجى والضياء
ثم جاء الصباح يوما وقيس
في يد الموت ذاهل مصروع
ليس تبكيه غير تنهيدة الري
ح وصوت البوم الكئيب دموع
يا قلوب العشاق حسبك حبا
واقبسي من مأساة قيس مثالا
هي هذي الحياة لا تمنح الأح
ياء إلا العذاب والأهوالا
خدعتنا بالحب والشوق والذك
رى وما خلفها سوى الأوهام
عالم سافل يضج من الإث
م ويحيا بين الهوى والظلام











