يعد أبو القاسم الشابي من أهم الشخصيات التي قدمت الشعر الوطني وتتميز قصائده باللغة العربية الفصحى والأسلوب الشعري الجميل والمؤثر وهي تعبر عن روح الشعب التونسي وأحلامه في الحرية والاستقلال وفيما يلي قصائد ابو القاسم الشابي عن الوطن
قصيدة يا ليل ما تصنع النفس التي سكنت
يا ليل ما تصنع النفس التي سكنت
هذا الوجود ومن أعدائها القدر
ترضى وتسكت هذا غير محتمل
إذا فهل ترفض الدنيا وتنتحر
وذا جنون لعمري كله جزع
باك ورأي مريض كله خور
فإنما الموت ضرب من حبائله
لا يفلت الخلق ما عاشوا فما النظر
هذا هو اللغز عماه وعقده
على الخليقة وحش فاتك حذر
قد كبل القدر الضاري فرائسه
فما استطاعوا له دفعا ولا حزروا
وخاط أعينهم كي لا تشاهده
عين فتعلم ما يأتي وما يذر
وحاطهم بفنون من حبائله
فما لهم أبدا من بطشه وزر
لا الموت ينقذهم من هول صولته
ولا الحياة تساوى الناس والحجر
حار المساكين وارتاعوا وأعجزهم
أن يحذروه وهل يجديهم الحذر
وهم يعيشون في دنيا مشيدة
من الخطوب وكون كله خطر
وكيف يحذر أعمى مدلج تعب
هول الظلام ولا عزم ولا بصر
قد أيقنوا أنه لا شيء ينقذهم
فاستسلموا لسكون الرعب وانتظروا
ولو رأوه لسارت كي تحاربه
من الورى زمر في إثرها زمر
وثارت الجن والأملاك ناقمة
والبحر والبر والأفلاك والعصر
لكنه قوة تملي إرادتها
سرا فنعنو لها قهرا ونأتمر
حقيقة مرة يا ليل مبغضة
كالموت لكن إليها الورد والصدر
تنهد الليل حتى قلت قد نثرت
تلك النجوم ومات الجن والبشر
وعاد للصمت يصغي في كآبته
كالفيلسوف إلى الدنيا ويفتكر
وقهقه القدر الجبار سخرية
بالكائنات تضاحك أيها القدر
تمشي إلى العدم المحتوم باكية
طوائف الخلق والأشكال والصور
وأنت فوق الأسى والموت مبتسم
ترنو إلى الكون يبنى ثم يندثر
قصيدة يا أيها الشادي المغرد ههنا
يا أيها الشادي المغرد ههنا
ثملا بغبطة قلبه المسرور
متنقلا بين الخمائل تاليا
وحي الربيع الساحر المسحور
غرد ففي تلك السهول زنابق
ترنو إليك بناظر منظور
غرد ففي قلبي إليك مودة
لكن مودة طائر مأسور
هجرته أسراب الحمائم وانبرت
لعذابه جنية الديجور
غرد ولا ترهب يميني إنني
مثل الطيور بمهجتي وضميري
لكن لقد هاض التراب ملامعي
فلبثت مثل البلبل المكسور
أشدو برنات النياحة والأسى
مشبوبة بعواطفي وشعوري
غرد ولا تحفل بقلبي إنه
كالمعزف المتحطم المهجور
رتل على سمع الربيع نشيده
واصدح بفيض فؤادك المسجور
وانشد أناشيد الجمال فإنها
روح الوجود وسلوة المقهور
أنا طائر متغرد مترنم
لكن بصوت كآبتي وزفيري
يهتاجني صوت الطيور لأنه
متدفق بحرارة وطهور
ما في وجود الناس من شيء به
يرضى فؤادي أو يسر ضميري
فإذا استمعت حديثهم ألفيته
غثا يفيض بركة وفتور
وإذا حضرت جموعهم ألفيتني
ما بينهم كالبلبل المأسور
متوحدا بعواطفي ومشاعري
وخواطري وكآبتي وسروري
ينتابني حرج الحياة كأنني
منهم بوهدة جندل وصخور
فإذا سكت تضجروا وإذا نطقت
تذمروا من فكرتي وشعوري
آه من الناس الذين بلوتهم
فقلوتهم في وحشتي وحبوري
ما منهم إلا خبيث غادر
متربص بالناس شر مصير
ويود له ملك الوجود بأسره
ورمى الورى في جاحم مسجور
ليبل غلته التي لا ترتوي
ويكض تهمة قلبه المغفور
وإذا دخلت إلى البلاد فإن أف
كاري ترفرف في سفوح الطور
حيث الطبيعة حلوة فتانة
تختال بين تبرج وسفور
ماذا أود من المدينة وهي غا
رقة بموار الدم المهدور
ماذا أود من المدينة وهي لا
ترثي لصوت تفجع الموتور
ماذا أود من المدينة وهي لا
تعنو لغير الظالم الشرير
ماذا أود من المدينة وهي مر
تاد لكل دعارة وفجور
يا أيها الشادي المغرد ههنا
ثملا بغبطة قلبه المسرور
قبل أزاهير الربيع وغنها
رنم الصباح الضاحك المحبور
واشرب من النبع الجميل الملتوي
ما بين دوح صنوبر وغدير
واترك دموع الفجر في أوراقها
حتى ترشفها عروس النور
فلربما كانت أنينا صاعدا
في الليل من متوجع مقهور
ذرفته أجفان الصباح مدامعا
ألاقة في دوحة وزهور
قصيدة يا موت قد مزقت صدري
يا موت قد مزقت صدري
وقصمت بالأرزاء ظهري
ورميتني من حالق
وسخرت مني أي سخر
فلبثت مرضوض الفؤاد
أجر أجنحتي بذعر
وقسوت إذ أبقيتني في
الكون أذرع كل وعر
وفجعتني فيمن أحب
ومن إليه أبث سري
وأعده فجري الجميل
إذا ادلهم علي دهري
وأعده وردي ومزماري
وكاساتي وخمري
وأعده غابي ومحرابي
وأغنيتي وفجري
ورزأتني في عمدتي
ومشورتي في كل أمر
وهدمت صرحا لا ألوذ
بغيره وهتكت ستري
ففقدت روحا طاهرا
شهما يجيش بكل خير
وفقدت قلبا همه أن
يستوي في الأفق بدري
وفقدت كفا في الحياة
يصد عني كل شر
وفقدت وجها لا يعبسه
سوى حزني وضري
وفقدت نفسا لا تني عن
صون أفراحي وبشري
وفقدت ركني في الحياة
ورايتي وعماد قصري
يا موت قد مزقت صدري
وقصمت بالأزراء ظهري
يا موت ماذا تبتغي مني
وقد مزقت صدري
ماذا تود وأنت قد
سودت بالأحزان فكري
وتركتني في الكائنات
أئن منفردا بإصري
وأجوب صحراء الحياة
أقول أين تراه قبري
ماذا تود من المعذب
في الوجود بغير وزر
ماذا تود من الشقي
بعيشه النكد المضر
إن كنت تطلبني فهات
الكأس أشربها بصبر
أو كنت ترقبني فهات
السهم أرشقه بنحري
خذني إليك فقد تبخر
في فضاء الهم عمري
وتهدلت أغصان أيامي
بلا ثمر وزهر
وتناثرت أوراق أحلامي
على حسك الممر
خذني إليك فقد ظمئت
لكأسك الكدر الأمر
خذني فقد أصبحت أرقب
في فضاك الجون فجري
خذني فما أشقى الذي
يقضي الحياة بمثل أمري
يا موت قد مزقت صدري
وقصمت بالأزراء ظهري
يا موت قد شاع الفؤاد
وأقفرت عرصات صدري
وغدوت أمشي مطرقا من
طول ما أثقلت فكري
يا موت نفسي ملت الدنيا
فهل لم يأت دوري
قصيدة شعري نفاثة صدري
شعري نفاثة صدري
إن جاش فيه شعوري
لولاه ما انجاب عني
غيم الحياة الخطير
ولا وجدت اكتئابي
ولا وجدت سروري
به تراني حزينا
أبكي بدمع غزير
به تراني طروبا
أجر ذيل حبوري
لا أنظم الشعر أرجو
به رضاء الأمير
بمدحة أو رثاء
تهدى لرب السرير
حسبي إذا قلت شعرا
أن يرتضيه ضميري
ما الشعر إلا فضاء
يرف فيه مقالي
فيما يسر بلادي
وما يسر المعالي
وما يثير شعوري
من خافقات خيالي
لا أقرض الشعر أبغي
به اقتناص نوال
الشعر إن لم يكن في
جماله ذا جلال
فإنما هو طيف
يسعى بوادي الظلال
يقضي الحياة طريدا
في ذلة واعتزال
يا شعر أنت ملاكي
وطارفي وتلادي
أنا إليك مراد
وأنت نعم مرادي
قف لا تدعني وحيدا
ولا أدعك تنادي
فهل وجدت حساما
يناط دون نجاد
كم حطم الدهر
ذا همة كثير الرماد
ألقاه تحت نعال
من ذلة وحداد
رفقا بأهل بلادي
يا منجنون العوادي
قصيدة عش بالشعور وللشعور فإنما
عش بالشعور وللشعور فإنما
دنياك كون عواطف وشعور
شيدت على العطف العميق وإنها
لتجف لو شيدت على التفكير
وتظل جامدة الجمال كئيبة
كالهيكل المتهدم المهجور
وتظل قاسية الملامح جهمة
كالموت مقفرة بغير سرور
لا الحب يرقص فوقها متغنيا
للناس بين جداول وزهور
متورد الوجنات سكران الخطى
يهتز من مرح وفرط حبور
متكللا بالورد ينثر للورى
أوراق ورد اللذة المنضور
كلا ولا الفن الجميل بظاهر
في الكون تحت غمامة من نور
متوشحا بالسحر ينفخ نايه
المشبوب بين خمائل وغدير
أو يلمس العود المقدس واصفا
للموت للأيام للديجور
ما في الحياة من المسرة والأسى
والسحر واللذات والتغرير
أبدا ولا الأمل المجنح منشدا
فيها بصوت الحالم المحبور
تلك الأناشيد التي تهب الورى
عزم الشباب وغبطة العصفور
واجعل شعورك في الطبيعة قائدا
فهو الخبير بتيهها المسحور
صحب الحياة صغيرة ومشى بها
بين الجماجم والدم المهدور
وعدا بها فوق الشواهق باسما
متغنيا من أعصر ودهور
والعقل رغم مشيبه ووقاره
ما زال في الأيام جد صغير
يمشي فتضرعه الرياح فينثني
متوجعا كالطائر المكسور
ويظل يسأل نفسه متفلسفا
متنطسا في خفة وغرور
عما تحجبه الكواكب خلفها
من سر هذا العالم المستور
وهو المهشم بالعواصف يا له
من ساذج متفلسف مغرور
وافتح فؤادك للوجود وخله
لليم للأمواج للديجور
للثلج تنثره الزوابع للأسى
للهول للآلام للمقدور
واتركه يقتحم العواصف هائما
في أفقها المتلبد المقرور
ويخوض أحشاء الوجود مغامرا
في ليلها المتهيب المحذور
حتى تعانقه الحياة ويرتوي
من ثغرها المتأجج المسجور
فتعيش في الدنيا بقلب زاخر
يقظ المشاعر حالم مسحور
في نشوة صوفية قدسية
هي خير ما في العالم المنظور
قصيدة إن الحياة صراع
إن الحياة صراع
فيها الضعيف يداس
ما فاز في ماضغيها
إلا شديد المراس
للخب فيها شجون
فكن فتى الإحتراس
الكون كون شقاء
الكون كون التباس
الكون كون اختلاق
وضجة واختلاس
سيان عندي فيه
السرور والإبتئاس
بين النوائب بون
للناس فيه مزايا
البعض لم يدر إلا
البلى ينادي البلايا
والبعض ما ذاق منها
سوى حقير الرزايا
إن الحياة سبات
سينقضي بالمنايا
وما الرؤى فيه إلا
آمالنا والخطايا
فإن تيقظ كانت
بين الجفون بقايا
إن السكينة روح في
الليل ليست تضام
والروح شعلة نور من
فوق كل نظام
لا تنطفي برياح الإ
رهاق أو بالحسام
بل قد يعج لظاها
سيلا ويطغى الضرام
كل البلايا جميعا
تفنى ويحيا السلام
والذل سبة عار
لا يرتضيه الكرام
الفجر يسطع بعد الد
جى ويأتي الضياء
ويرقد الليل قسرا
على مهاد العفاء
وللشعوب حياة
حينا وحينا فناء
واليأس موت ولكن
موت يثير الشقاء
والجد للشعب روح
توحي إليه الهناء
فإن تولت تصدت
حياته للبلاء
قصيدة على ساحل البحر أنى يضج
على ساحل البحر أنى يضج
صراخ الصباح ونوح المسا
تنهدت من مهجة أترعت
بدمع الشقاء وشوك الأسى
فضاع التنهد في الضجة
بما في ثناياه من لوعة
فسرت وناديت يا أم هيا
إلي فقد سئمتني الحياة
وجئت إلى الغاب أسكب أوجاع
قلبي نحيبا كلفح اللهيب
نحيبا تدافع في مهجتي
وسال يرن بندب القلوب
فلم يفهم الغاب أشجانه
وظل يردد ألحانه
فسرت وناديت يا أم هيا
إلي فقد عذبتني الحياة
وقمت على النهر أهرق دمعا
تفجر من فيض حزني الأليم
يسير بصمت على وجنتي
ويلمع مثل دموع الجحيم
فما خفف النهر من عدوه
ولا سكت النهر عن شدوه
فسرت وناديت يا أم هيا
إلي فقد أضجرتني الحياة
ولما ندبت ولم ينفع
وناديت أمي فلم تسمع
رجعت بحزني إلى وحدتي
ورددت نوحي على مسمعي
وعانقت في وحدتي لوعتي
وقلت لنفسي ألا فاسكتي
قصيدة ينقضي العيش بين شوق ويأس
ينقضي العيش بين شوق ويأس
والمنى بين لوعة وتأس
هذه سنة الحياة ونفسي
لا تود الرحيق في كأس رجس
ملئ الدهر بالخداع فكم قد
ضلل الناس من لإمام وقس
كلما أسأل الحياة عن الحق
تكف الحياة عن كل همس
لم أجد في الحياة لحنا بديعا
يستبيني سوى سكينة نفسي
فسئمت الحياة إلا غرارا
تتلاشى به أناشيد يأسي
ناولتني الحياة كأسا دهاقا
بالأماني فما تناولت كأسي
وسقتني من التعاسة أكوابا
تجرعتها فيا شد تعسي
إن في روضة الحياة لأشواكا
بها مزقت زنابق نفسي
ضاع أمسي وأين مني أمسي
وقضى الدهر أن أعيش بيأسي
وقضى الحب في سكون مريع
ساعة الموت بين سخط وبؤس
لم تخلف لي الحياة من الأمس
سوى لوعة تهب وترسي
تتهادى ما بين غصات قلبي
بسكون وبين أوجاع نفسي
كخيال من عالم الموت ينساب
بصمت ما بين رمس ورمس
تلك أوجاع مهجة عذبتها
في جحيم الحياة أطياف نحس
قصيدة بذر الحب بذره
بذر الحب بذره
في فؤادي فأورقا
بلحاظ نوافث
فجنى حظي الشقا
وسعى فيه مهره
عاديا ثم أعنقا
رب ظبي علقته
بالبها قد تقرطقا
ثم من وصله الجمي
ل غدا القلب مملقا
سحر اللب طرفه
ما دها الريق لو رقى
أوصب الصب صده
والشقا لو ترفقا
صار ملقى بحبه
موثقا ليس مطلقا
صار ذا جنة به
ذا عذاب مؤرقا
يرقب البدر جفنه
ليناجيه ما لقى
هام في العين غربه
وهمى ثم أغدقا
وهمى صوب همه
فاستقى منه ما استقى
كم قلوب تفطرت
ودم صار مهرقا
ودموع تسلسلت
مثل غيم تدفقا
دون أن تبلع النفو
س رضابا مروقا
وشقيق بخده
مهج الخلق شقق
ثغره من عقوده
ودموعي تنسقا
خصره من نحافتي
ونحولي تمنطقا
مرشفاه بخده
ودمائي تخلقا
من لظى جمر خده
كبدي قد تحرقا
قده فوق ردفه
غصن بان على نقا
جيده تحت فرعه
برق غيم تألقا
نسبي في غرامه
نسبا صار معرقا
قصيدة قد سكرنا بحبنا واكتفينا
قد سكرنا بحبنا واكتفينا
يا مدير الكؤوس فاصرف كؤوسك
واسكب الخمر للعصافير والنحل
وخل الثرى يضم عروسك
ما لنا والكؤوس نطلب منها
نشوة والغرام سحر وسكر
خلنا منك فالربيع لنا ساق
وهذا الفضاء كأس وخمر
نحن نحيا كالطير في الأفق الساجي
وكالنحل فوق غض الزهور
نحن نلهو تحت الظلال كطفلين
سعيدين في غرور الطفولة
وعلى الصخرة الجميلة في الوادي
وبين المخاوف المجهولة
نحن نغدو بين المروج ونمسي
ونغني مع النسيم المغني
ونناجي روح الطبيعة في الكون
ونصغي لقلبها المتغني
نحن مثل الربيع نمشي على أرض
من الزهر والرؤى والخيال
فوقها يرقص الغرام ويلهو
ويغني في نشوة ودلال
نحن نحيا في جنة من جنان السحر
في عالم بعيد بعيد
نحن في عشنا المورد نتلو
سور الحب للشباب السعيد
قد تركنا الوجود للناس
فليقضوا الحياة كيف أرادوا
وذهبنا بلبه وهو روح
وتركنا القشور وهي جماد
قد سكرنا بحبنا واكتفينا
طفح الكأس فاذهبوا يا سقاة
نحن نحيا فلا نريد مزيدا
حسبنا ما منحتنا يا حياة
حسبنا زهرنا الذي نتنشى
حسبنا كأسنا التي نترشف
إن في ثغرنا رحيقا سماويا
وفي قلبنا ربيعا مفوف
أيها الدهر أيها الزمن الجاري
إلى غير وجهة وقرار
أيها الكون أيها القدر الأعمى
قفوا حيث أنتم أو فسيروا
ودعونا هنا تغني لنا الأحلام
والحب والوجود الكبير
وإذا ما أبيتم فاحملونا
ولهيب الغرام في شفتينا
وزهور الحياة تعبق بالعطر
وبالسحر والصبا في يدينا











