محمد مفتاح رجب الفيتوري ولد في الجنينة بالسودان لاب ليبي وام مصرية عام 1936م هو شاعر سوداني يعد من رواد الشعر الحر الحديث تخرج من كلية الادب والعلوم وبدأ حياته العملية كمحررا في الصحف المصرية والسودانية له العديد من الدواوين الشعرية نطرح لكم منها قصائد محمد الفيتوري
قصيدة الرياح
ربما لم تزل تلكم الأرض
تسكن صورتها الفلكية
لكن شيئا على سطحها قد تكسر
ربما ظل بستان صيفك
أبيض في الصيف
لكن برق العواصف
خلف سياجك أحمر
ربما كان طقسك نارا مجوسية
في شتاء النعاس الذي لا يفسر
ربما كنت أصغر
مما رأت فيك تلك النبواءت
أو كنت أكبر
غير أنك تجهل أنك شاهد عصر عتيق
وأن نيازك من بشر تتحدى السماء
وأن مدار النجوم تغير
ها قد انطفأت شرفات السنين
المشعة بالسحر واللؤلؤ الأزلي
وأسدل قصر الملائكة المنشدين ستائره
وكأن يدا ضخمة نسجت
أفقا من شرايينها
في الفضاء السديمي
ها قد تداخلت اللغة المستحيلة
في جدل الشمس والظلمات
كأن أصابع من ذهب تتلمس
عبر ثقوب التضاريس
إيقاعها
تلكم الكائنات التي تتضوع في صمتها
لم تغادر بكارتها في الصباح
ولم تشتعل كرة الثلج بعد..
فأية معجزة في يديك
وأية عاصفة في نهارك
إني رأيت سقوط الإله
الذي كان في بوخارست
كما لو هوى برج إيفل في ذات يوم
كما لو طغى نهر السين
فوق حوائط باريس
كان حريق الإله الذي
مات في بوخارست عظيما
وكان الرماد عظيما
وسال دم بارد في التراب
وأوصد باب
ووورب باب
ولكن ثمة في بوخارست بلادي أنا
لا تزول الطواغيت
أقنعة تشرك الله في خلقه
فهي ليست تشيخ
وليست تموت
وقائمة هي باسم القضية
وأنظمة الخطب المنبرية
وحاملة هي سر الرسالة
وشمس العدالة
وقادرة هي تمسخ روح الجمال
ولا تعرف الحق
أو تعرف العدل
أو تعرف الاستقالة
وفي بوخارست بلادي
أزمنة تكنز الفقر خلف خزائنها..
وسكون جريح
وأشباح موتى من الجوع
تخضر سيقانهم في الرمال
وتيبس ثم تقيح
ومجد من الكبرياء الذليلة
والكذب العربي الفصيح
كأنك لم تأت إلا لكي تشعل النار
في حطب الشرق وحدك
في حطب الشرق وحدك
تأتي..
وشمسك زيتونة
والبنفسج إكليل غارك
ولا شيء في كتب الغيب غير قرارك
إني رأيت رجالا
بنوا من حجارة تاريخهم وطنا
فوق حائط برلين
وانحفروا فيه
ثم تواروا وراء السنين
لكي لا ينكس رايته المجد يوما
على قبب الميتين
وكيلا تدور على الأرض
نافورة الدم والياسمين
وفي بوخارست التي
سكبت روحها فيك
وازدهرت في نقوش إزارك
في بوخارست انتظارك
سماء تكاد تسيل احمرارا
وأيد مقوسة تتعانق خلف الغيوم
وآجرة من تراب النجوم
تظل تبعثرها الريح..
خلف مدارك
قصيدة أنا زنجي
أنا زنجي
قلها لا تجبن
قلها في وجه البشرية
ان زنجي
وابي زنجي الجد
وامي زنجية
انا اسود
اسود لكني حر امتلك الحرية
ارضي افريقية
عاشت ارضي
عاشت افريقية
ارضي والابيض دنسها
دنسها المحتل العادي
فلامض شهيدا
وليمضوا مثلي شهداء اولادي
فوراء الموت .. وراء الارض
تدوي صرخة اجدادي
لستم ببنينا ان لم تذر الارض رماد الجلاد
لستم ببنينا ان لم يجل الغاصب عنها مدحورا
ان لم تخلع اكفان الظلمة
ان لم تتفجر نورا
ان لم يرتفع العلم الاسود
فوق رباها منصورا
ان لم يحن التاريخ لكم جبهته فرحان فخورا
الفجر يدك جدار الظلمة
فاسمع الحان النصر
هاهي ذي الظلمة تداعي
تساقط تهوي في ذعر
ها هو ذا شعبي ينهض من اغمائته
عاري الصدر
ها هو ذا الطوفان الاسود
يعدو عبر السد الصخري
ها هي ذي افريقيا الكبرى
تتالق في ضوء الفجر
فصيدة أصبح الصبح
اصبح الصبح
ولا السجن ولا السجان باقي
واذا الفجر جناحان يرفان عليك
واذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي
والذي شد وثاقا لوثاق
والذي بعثرنا في كل وادي
فرحة نابعة من كل قلب يابلادي
أصبح الصبح
وها نحن مع النور التقينا
التقى جيل البطولات
بجيل التضحيات
التقى كل شهيد
قهر الظلم ومات
بشهيد لم يزل يبذر في الأرض
بذور الذكريات
أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا
بالذي اصبح شمسا في يدينا
وغناء عاطرا تعدو به الريح
فتختال الهوينى
من كل قلب يا بلادي
فرحة نابعة من كل قلب يابلادي
قصيدة لو لحظة من رسني
لو لحظة من وسني
تغسل عني حزني
تحملني
ترجعني
الى عيون وطني
يا وطني ..
يا وطني يا وطن الأحرار والصراع
الشمس في السماء كالشراع
تعانق الحقول والمراعي
واوجه العمال والزراع
يا وطني ..
أصبح الصبح كأن الزمن الماضي على الماء نقوش
فارفعي راية اكتوبر فالثورة مازالت تعيش
وانا مازلت في البعد انادي
يا بلادي
يا مغاني وطني ..
أجمل من فراشة مجنحة على ضفاف المقرن الجميل
أجمل من نوارة مفتحة ترقد تحت ذهب الأصيل
أجمل من رائحة النضال لم أشم رائحة في صبحك الجليل
يا فخر هذا الجيل
يا وطني ..
قصيدة صرخة الميلاد
صرخة الميلاد
دعونا نعلق على مشجب الشمس أكفاننا..
ونهز بيارقنا..
أو دعونا نصلي..
فقد تخصب الصلوات التي يبست في حناجرنا
ثم سالت نعوشا عراقية
ومدائن مكسوة بالحرائق مزدانة بالدماء..
دعونا نغني لمن يستحق الغناء
ونبكي لمن يستحق البكاء
ومن تتناغم أطيافنا في رؤاه
ومن هو نافورة الضوء تحت السماء..
دعونا ندس في خطى الهاربين إلى اليأس
أقنعة اليأس والانكفاء..
دعونا نقل للملوك الخطاة الزناه
وللحاكمين الذين أباحوا لأنفسهم حرمات الإله
أقيموا جثامينكم فوق تلك العروش
وغطوا خرائب تاريخكم بالنقوش
وصفوا على الشرفات أكاليلكم..
واعلموا أيها الأقوياء
أنكم مثل قطرة غيم
معلقة في سقوف الشتاء..
وحدقت في أفق الليل وحدي
أستبق اليوم والغد والذكريات
وأقتطف الحلم في غابة العصر قبل الفوات
وأستصرخ الراحلين
وأستمهل القادمين
وأستنطق الصمت والصخر والظلمات..
لماذا يخون الذي خان أمته؟
ويهون من هان يوما على نفسه
أرض أجداده..
ولماذا النبيون والشهداء..
المقيمون في الخلد..
والشعراء المضيئون في الكلمات..
ولماذا القرابين والتضحيات؟
ولماذا إذن تلد الأمهات؟..
ألكي تتلهى الشعوب بمن قد ولدن؟
وتصنع منهم عبيدا وآلهة وطغاة
أم يلدن.. لكي يتألق وجه العراق..
وتسطع روح العروبة في الكائنات..
قصيدة الضعف
الضعف
ما بيدي ان ارفعك
ولا بها ان اضعك
انت اليم
وانا احمل الامي معك
وجائع
ومهجتي جوعها من جوعك
وانت عار
وانا .. ها انذا عار معك
يا شعبي التائه
ما اضيعني واضيعك
ما اضيع الثدي الذي ارضعني
وارضعك
يا ليته جرعني سمومه
وجرعك
فما احتقرت ادمعي
ولا احتضنت ادمعك
ولا انكفأت فوق قبر اليأس
أبكي مصرعك
أيتها الجميزة العجوز
من ذا زرعك
يا غرسة الخمول
لا بورك حقل اطلعك
أما سئمت تحت اقدام الدجى مضجعك
فقمت في نهر الطموح
تغسلين اذرعك
كم جنح الرح بواديك
فهلا اقتلعك
وانتفض الفجر حواليك
فهلا صرعك
ففكرة الحياة ان تبدعي او ابدعك
وفكرة الفناء
ان تصرعني او اصرعك
يا ليتني عاصفة قاصفة
كي اسمعك
قصيدة الذين يجيئون
الذين يجيئون
هم يشبهون السيل
قال بيديبا الحكيم
وكان وجه الملك الجليل دبشليم
ياقوتة ترجف في خاتمه القديم
ودائما كالعرق الذي على جباههم
يبتسمون
ويركضون
واذ يشاءون يشاءون ويقدرون
ودائما ينسى الملوك
دائما يهوي الصدا على الصدا
ودائما يجئ سيلهم
لانهم لا يقفون ابدا
قصيدة عرس السودان
في زمن الغربة والإرتحال تأخذني منك وتعدو الظلال
وأنت عشقي
حيث لا عشق يا سودان
إلا النسور الجبال
يا شرفة التاريخ
يا راية منسوجة
من شموخ النساء
وكبرياء الرجال
لمن ترى أعزف أغنيتي
ساعة لا مقياس إلا الكمال
إن لم تكن أنت الجمال
الذي يملأ كأسي فيفيض الجمال
فدا لعينيك الدماء
التي خطت على الأرض
سطور النضال
داست على جلادها
وهي في سجونه
واستشهدت بجلال
فدا لعيني طفلة
غازلت دموعها
حديقة في الخيال
شمسك في راحتها
خصلة طرية
من زهر البرتقال
والنيل ثوب أخضر
ربما عاكسه الخصر
قليلا فمال
كان اسمها أم درمان
كان اسمها الثورة
كان العرس عرس الشمال
كان جنوبيا هواها
وكانت ساعة النصر
إكتمال الهلال
فدا لك العمر
ولو لا الأسى
لقلت تفديك
الليالي الطوال
فدا لك العمر
قصيدة تحت الأمطار
أيها السائق
رفقا بالخيول المتعبة
قف..
فقد أدمى حديد السرج لحم الرقبة
قف..
فإن الدرب في ناظرة الخيل اشتبه
هكذا كان يغني الموت حول العربة
وهي تهوى تحت أمطار الدجى مضطربة
غير أن السائق الأسود ذا الوجه النحيل
جذب المعطف في يأس
على الوجه العليل..
ورمى الدرب بما يشبه أنوار الأفول
ثم غنى سوطه الباكي
على ظهر الخيول..
فتلوت..
وتهاوت..
ثم سارت في ذهول
قصيدة وصية الشاعر القديم
لولا حيائي منك لولا خشيتي
لقلت لك
السم في كأسك والخنجر في العباءة
يا أيها الجالس خلف الحجرة المضاءة
على جلالك السلام
.. وأومأ الامير للسياف يا غلام
اطح براسه
وضاع الصوت في الزحام
واعجبا يا سيدي
كأنما أغوص في حلم من الأحلام
فانني كنت نصحت مذ ألف عام
متوجا مثلك
مأعدله وأعدلك
لكنه اذدرى نصيحتي
ازدراني ..
وبقيت ..
بينما هلك











